سياسة وتاريخ

المادي والعقلي في عقبات التحول السياسي في الجزائر

حتى وإن كان من السابق لأوانه الحديث عن نهاية رهان القوة بين الشارع الجزائري وبقايا النظام السياسي القديم الواقع حاليا تحت مرحلة جديدة من الترميم، فإنه لا يظل ضروريا الاعتراف بأن وتيرة التقدم الحراكي على صعيد المطالبة، قد تراجعت بشكل كبير أمام إصرار النظام على عدم بلوغ الحراك مرحلة الثورة التي يتمثلها ويتأملها.

ذلك كله تم بإعمال صارم لكل الوسائل منها الشاكلة التوظيفية الانتقائية للدستور، بحيث يحول دون الخروج عن أسر السياسية وسقوفها كما رسمها للنظام من خلال سلسلة دساتيره السابقة والتي كانت كلها تضمن هيمنته على الشعب والدولة، وليس سيادة هذين الأخيرين عليه كما هو في عرف السياسة ومجاريتها في التاريخ مذ نشأت الدولة الوطنية وفق قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

تراجع حراكي على مستوى التمشي في الشارع سببته، بالإضافة إلى نية وتصلب النواة الصلبة في النظام ونعني بها المؤسسة العسكرية في التغيير الجذري الذي يرفضه منطق البيولوجيا الوطنية والتاريخ، العقل الحراكي نفسه وشاكلة التدبير الثوري لنخبه، التي كان عليها عوض أن تكتفي هي الأخرى بالتمشي في الشارع أن تمشي في الخيال وفي الفكر وتطور من أداء الحراك على مستوى المطالب، وفق ما كان يستجد من تكتيك واستراتيجية النظام في الالتفاف على ثورة الشعب المناشدة للتغيير.

ضَلال السبيل الثوري

ضل الحراك تماما حين ظل خارج سياق النمو الطبيعي المتغذي عن معطيات الأمر الواقع المتغيرة، وعجز عن إتمام مرحلة الهدم الثوري التي تشترطها كل ثورة قاطعة جذريا مع الماضي والتي تقتضي اقتلاع أسس قيام ومصادر إعادة إنتاج النظام السابق بكل أشكالها ورموزها ورجالاتها.

فوت بالتالي الحراك فرصة على نفسه أولا، ثم على الأمة كي تنتقل من نظام عنيد يمتلك الوسائل والرموز إلى نظام جديد يحمل معنى القيم الحقيقية للوطن والمواطنة خارج الامتيازات الرمزية وخطاب الشعرية الانتمائية للتاريخ الوطني التي توظف لقمع تيارات التغيير عبر كل مراحل الانتفاضات الوطنية التي حصلت تباعا مذ استقلت البلاد.

صراع الرمزي والمادي بين النخب والنظام

ثمة ملاحظة جوهرية يمكن عبرها استشفاف حقيقة الواقع المشترك العربي، ومنها استشراف مستقبله السياسي، وهي كُمون أداة الإفشال لأي مسعى ثوري تقوده أو تدعو إليه نخبة من النخب أو حركة من الحركات، الأداة هي تلك القاعدة الكبيرة من الجيش الجائع والضائع الذي خلفته سياسة النظام ومشاريعه التدميرية غير التدبيرية لمجتمع الاقتصاد واقتصاد المجتمع، في العشوائيات ومناطق الهامش الحضري ومدن الداخل البائسة التي لا تستأثر في العادة باهتمام مشاريع التنمية لتلك النظم.

في ظل نشأة وتطور البورجوازية الفوقية القاطعة مع الوطنية اقتصاديا، والمرتبطة مصلحيا وربحيا بالشركات المتعددة الجنسيات خارج حدود القُطر والأوليغارشية الهجينة غير المنتجة للثورة والمستنزفة بمشاريع خدماتية غير ذات جدوى أو أولوية لأموال الخزينة العمومية، أصبح من السهل إبطال مفعول إرادة التغيير لدى تلك الحركات ونخبها بتوظيف تلك الأفواه الجائعة المهمشة من خلال هاته الأوليغارشية الهجينة وبأثمان بخسة، مثلما تم توظيفها في العملية الانتخابية عبر شراء ذممها بوريقات نقدية وأرطال لحم في وزيعة الولائم السياسية المناسباتية.

بالتالي باتت نظرية الكاتب الهولندي دفيد فت ريبروك بإلغاء الانتخابات التي طرحها في كتابه الشهير (ضد الانتخابات) بوصفها صارت أداة وصول لصوص المال إلى مصادر القرار بطريقة قانونية وديمقراطية من حيث الميكانيزم.

لكن من دون روح العمليتين أخلاقيا وإنسانيا، ما طرح إشكالية فلسفية جديدة تتعلق بهامشية البعد الأخلاقي للديمقراطية وعدم قدرتها بمفهومها الآلي في الإجابة عن سؤاله – باتت – أجدى تطبيقا في البلاد العربية منها في بقعة شهدت التجربة الديمقراطية.

في الجزائر، ومثلما كان عليه الشأن في مصر استنجدت بقايا النظام بالطرف الموالي لها من رجال المال الذين كانوا يدعمون في السابق بوتفليقة قبل أن يتخلوا عنه مع أولى إشارات انتصار الحرك على نظامه، ما أفرز رؤية أخرى حول رأس المال تضاف إلى تلك التي وسمته بكونه (جبان) فصار في العالم العربي (خوان) أيضا!

عملت الآلة المالية على شراء توقيعات المهمشين والجائعين لوثيقة الترشح لرجالات النظام للرئاسيات في المرحلة الأولى، ثم شراء حضورهم الوهمي والشكلي في الحملات الانتخابية.

اليوم يتم توظيف هؤلاء في أخطر مراحل المعركة مع الثورة وهي مرحلة الثورة المضادة بالخروج إلى الشارع وممارسة البلطجة، والاعتداء على الحراكيين بقصد إخراج الثورة عن سلميتها ما يعطي لسلطة النظام فيما بعد مبرر المرور إلى الإجراءات الاستثنائية لإعادة السلم الاجتماعي، وبالتالي تنتفي وتنطفئ الجذوة والمبرر الثوري للشارع.

المشكل هو أن النظام العربي ومنه النموذج الجزائري، ليس يمتلك فقط القدرة المالية لتحريك وتحريف التوجه التاريخي وتطور الوعي السياسي للجماهير، بل القدرة المعنوية والخطابية، في ظل الفراغ الفكري الذي تعانيه النخب العربية من أيديولوجية الانتماء الخاص، وبقائها في خطابها العمومي الفكري المثالي الأممي والعولمي معا، سواء حول ضرورة أسلمة أو علمنة أو دمقرطة المجتمع، وهي بذلك تعمل عبر وعي أو من دونه على ملء الخاص بالعام.

أي استبدال الوسيلة بالغاية وهذا خطأ فادح تقع فيه في مقابل بقايا النظم مهيمنة على مفهوم الوطنية كأديولوجيا تأسيسية للقطرية تمنحهاا دوما مزية وامتيازا بل وفضل الوجود الوطني.

عليه أي حركة أو ثورة تسعى للتغيير الديمقراطي في العالم العربي تجد لها أدوات المجابهة بالتخوين والولاء لغير الوطن والفكر الوطني ومحاولة محور تاريخه النضالي المشرق إلى ما قبل النشوء القطري أو إذابته وإلحاقه بالغرب الاستعماري!

تحرير الوطنية قبل تحرير السلطة

من هنا بات واجبا على النخب التغيير والتثوير في العالم العربي أن تبحث لها عن خطاب تبريري لمساعيها في تحقيق الانتقال السياسي والديمقراطي، آخذة بعين الاعتبار المقدرة الكبرى للنظم السياسية العربية القديمة على التصلب والتجدد عبر صناعة مكامن الهزيمة النخبية في الفضاء القاعدي الشعبي، حيث يؤمل بشكل وهمي في الانتصار عليه ديمقراطيا، سوء بالانتفاضات السلمية أو العمليات الانتخابية، كونه يمتلك وسائل الانتصار في “ديمقراطية الجوع” التي أسس لها وأرسى معالمها ووسائل التعامل معها هو بذاته.

كما ويأخذ بعين الاعتبار احتكار النظام للنداء الوطني الأول والعمل على تحرير الوطنية منه قبل التفكير في مجرد تحرير السلطة، بإبداع خطاب “وطني” لا يقصي الخصوصية في المشترك الوطني بالعمومية في المشترك الإنساني، لا يرتكز على الوسيلة (الديمقراطية، الاسلام، العلمانية، حقوق الانسان، التعددية، المرأة..) على حساب الخصوصية القطرية في الثقافة والتاريخ ومشاعر الانتماء.

هذا إذن ما يلعب عليه النظام في مشروعه وتحالفاته التوافقية التلفيقية التي يسوق من خلالها لنفسه للرأي العام الوطني الواعي منه (الأقلية) والجائع (الأغلبية) بوصفه الجامع لكل فسيفساء الوطن، والضامن للوحدة الوطنية وُيبرز في مقابل ذلك التيارات الأخرى بالقاطعة مع هذا المشروع الجامع من لائكيين وإسلاميين وقوميين كل يقصي الآخر وكل يتوعد الآخر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق