سياسة وتاريخ

المؤسسات السياسية والتنمية الاقتصادية: كيف تخدم الأولى الثانية؟

يعالج تقرير أكاديمية ابن رشد، البرنامج العلمي التابع للمركز العربي للأبحاث، إشكالية التنمية الاقتصادية والانتقال الديمقراطي، بحيث يركز، على طول صفحاته، على تحليل وتفسير الأسباب الكامنة وراء فشل المنظومة المؤسساتية العربية في مرحلة ما بعد 2011 محاولا تقديم بدائل للخروج بالمنطقة من سلسلة الأزمات البنيوية التي تعيشها. وتكتسي الوثيقة المزمع نشرها في أواخر السنة الجارية والتي توصلنا بنسختها الأولية صبغة الراهنية لاتباعها مقاربة مزدوجة في فهم وقراءة ديناميكيات المنطقة والتفاعلات الحاصلة بها، ولتقديمها قراءة جديدة ومبتكرة لإشكالياتي التنمية الاقتصادية والديمقراطية بالعالم العربي.

وخوضا في نتائج وخلاصات التقرير الأولية، يؤكد هذا الأخير على ضرورة، بل حتمية، توفر منظومة مؤسساتية قائمة الذات. ويستند التقرير في حججه على السياق العربي الحالي والذي يعتبره “سياق أزمات” تخللته بضع محاولات تغيير وإصلاح باءت بالفشل. ونتيجة للأسباب التي سبق وذكرناها، يقدم التقرير بدائل أخذ فيها بعين الاعتبار عامل “قابلية التطبيق” قبل كل شيء. فالغاية الأساسية للوثيقة المدروسة تتمثل في عدم إعادة إنتاج توصيات وحلول تضمنتها تقارير سابقة. لذلك، ظل الرهان الأول والأخير متعلقا بمدى مقدرة كل من المقاربة الثنائية، والتوصيات “الجديدة”، على تقديم حلول واقعية يقدر المواطن البسيط على استيصاغ وفهم مضامينها أولا، وعلى مقدرة صانع القرار على تحويلها إلى سياسات عمومية -أو حكومية حسب التعبير الشرقي- تحقق تنمية اقتصادية مستدامة ثانيا.

يقسم التقرير المؤسسات السياسية، والتي هي موضوع دراستنا، لثلاث مؤسسات تضطلع كل واحدة بدور مركزي يعمل على خلق تأثير نسبي في منظومة التنمية الاقتصادية.

بالنسبة للقسم الأول، تتيح المشاركة السياسية للمواطنين إمكانية المشاركة والمساهمة في صياغة السياسات العمومية وتنزيلها على أرض الواقع بحيث تنقله من حالة الاستقبال والاستيعاب إلى حالة يصبح فيها فاعلا رئيسا ومحوريا في عملية وضع، وتنزيل، وتقييم السياسات العمومية. وتكمن القيمة المضافة للمشاركة السياسية في جمعها بين المواطن وصانع القرار على طاولة النقاش. ويرى التقرير أنه بدل أن ينتج السياسي قرارا قد يلقى رفضا داخل صفوف المواطنين، ينخرط الفرد من الأول في عملية الصياغة ربحا للوقت أولا، وتدبيرا للنفقات والموارد التي ستترتب عن صياغة سياسية عمومية ثم العمل على تعديلها.

ومن أجل تنزيل هذه الرؤية، يدعو التقرير صناع القرار لتعديل الأنظمة الانتخابية لتتماشى وفق تطلعات المواطنين. فباعتبارها مؤسسة سياسية ومتغير بنيوي حسب التقرير، فإن أي تحول أو طفرة بداخل بنية التنظيمات الانتخابية، والذي غالبا ما يكون ذو طبيعة تشريعية، سينتج عنه آثار على الواقع السياسي اليومي للمواطن. وبهدف توكيد طرحه، يعرض التقرير مجموعة من التصورات والمواقف المماثلة أو المكملة لتوجهه العام. فعلى سبيل المثال، يعرض هذا الأخير طرح كنوستن –  Knusten (2011) والمتمثل في فكرة أن النظام الانتخابي المتميز بالمصداقية العالية يقوم بتعزيز ودعم السياسات الهادفة لخدمة المصلحة العامة. ويفسر ذلك بالآليات الانتخابية التي يلجأ إليها المواطنون حينما يلمسون خرقا وإساءة في استعمال السلطة من طرف المنتخبين بهدف خدمة مصالحهم الشخصية. ويمكن في هذه الحالة للناخبين تفعيل مبدأي المراقبة والمحاسبة. وفي نفس التوجه، يطرح التقرير موقف بيرسون – Persson (2005) والمتلخص في علاقة تأثير تجمع بين طبيعة النظام الانتخابي والتنمية الاقتصادية. ويرى أن أي تغيير وتعديل بالنظام البرلماني (على عكس النظام الرئاسي) ونظام التمثيل النسبي (على عكس نظام الأغلبية) سيساهم في صياغة وإنتاج سياسات تدعم وتحفز النمو الاقتصادي، وذلك لكون أن حدة التنافس بين الأطراف النشيطة والفاعلة، ستدفع “المجموعات ذات المصلحة” لتبني برامج انتخابية تستجيب لانتظارات المواطنين. وعليه، وعلى ضوء هذه التغييرات المتعلقة بالبنية الانتخابية، ستصبح السياسات التنموية المنتهجة أكثر فاعلية، حسب التقرير، خاصة وأن هامش الخطأ سيصبح ضئيلا، بل منعدما، في ظل تنافس حاد بين الأطراف الداخلية.

في سياق مشابه، يعبد التمثيل السياسي (النوع الثاني للمؤسسات السياسية) الطريق أمام صناع القرار لتبني سياسات تنموية اقتصادية فعالة. ويقتبس التقرير طرح المفكر أمارتيا سين – Amartya Sen الذي يؤكد على ضرورة قيام النظام السياسي على مبدأي الانتخابات النزيهة والمعارضة المستقلة لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة. ويفسر موقفه من منطلق أن العاملين سالفي الذكر سيدفعان صانعي القرار لتفادي تبني أي سياسة تنموية مكلفة وغير فعالة. ويتقاسم كل من فابيو بادوفانو وروبرتو ريتشيوتي (2009) نفس الموقف لكون أن المنافسة والتمثيلية السياسية تحولان دون انتشار وتغلغل الريع السياسي أولا، وتجبران الحكومات المحلية على اتخاذ قرارات عقلانية تعمل على تحسين كفاءة السياسات العمومية.

في الواقع، يبين التقرير إذا، اعتمادا على مجموعة من الطروح والمواقف، أن التمثيل السياسي يؤسس لنظام سياسي يلعب فيه المواطن دورا محوريا. فإشراك المواطن على طول مراحل صياغة القرار السياسي واتخاذه، هو ضمان وتزكية لشرعية النظام السياسي في أعين المواطنين، وتحفيز لحس المواطنة والانتماء. ويستدل التقرير في هذا الإطار بطرح كل من فار ولورد ولفنبرجر (1998) الذين يعتبرون المؤسسات السياسية عامة، ومؤسسة التمثيل السياسي خاصة، حجر الأساس لتوفير وضمان استقرار سياسي داخلي يشجع مالكي رؤوس الأموال على الاستثمار على المدى المتوسط والبعيد. فما دامت المؤسسات السياسة تقدم رؤية واضحة عن البنية السياسية الداخلية وتمكن المستثمر من تكوين توقعات عن مستقبل الوضع الداخلي، فذلك يعد محفزا رئيسا لنمو اقتصادي.

أخيرا، يتطرق التقرير للعنصر الثالث من المؤسسات السياسية والمرتبط بمؤسسة الفصل بين السلط. في الواقع، من الرغم من أن التقرير لا يقدم طرح مونتسكيو في المواقف المعروضة للمفكرين والمنظرين، لكنه يتبنى وجهة نظره ورؤيته للمسألة ولو بطريقة غير مباشرة. فإذا كان مونتسكيو يدعو للفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بغية تفعيل مبدأ الرقابة، فالتقرير، من جهته، يدرس مرحلة ما بعد الفصل بين السلط وتأثير الرقابة على عجلة التنمية الاقتصادية. ومن أجل ذلك، يعرض التقرير طرح جان جاك لافون (2000) الذي يعتبر فصل السلط، أي المراقبة، ضرورة ملحة لضمان نمو وتنمية اقتصاديتين مستدامتين على المستويين المتوسط والبعيد. ويرجع أثر هذه المنظومة السياسية على التنمية الاقتصادية لسببين: أولاً، لأنها تكفل المنافسة النزيهة بين الشركات وتضمن عدم حصول أي شركة على امتيازات خاصة كالمعلومات مثلاً. وثانيا، لأنها تحول ضد احتكار هيئات الرقابة لعمليات التتبع والتي يمكن أن تنمّي مظاهر الفساد الإداري (إعطاء رشوة مقابل تقديم تقارير تغطي عن مشاكل الشركات). وفي الإطار ذاته، يدعم التقرير رؤيته عن طريق تقديم استدلالات أخرى تصب في نفس المنحى. فمثلا، ترى الورقة المدروسة أن القيود المفروضة على السلطة التنفيذية والناتجة عن مؤسسة فصل السلط ستساهم في الحد من هيمنة وسيطرة الحكومات والسلطات المحلية. وتعد هذه الخطوة بمثابة تقديم ضمانات للمستثمرين بعدم تدخل أي طرف خارجي في قراراتهم ما سيكفل حقوق الملكية لمالكي رؤوس الأموال.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عدنان هريوى

باحث مساعد بالمركز العربي للأبحاث. حاصل على ماستر علاقات دولية وإجازة بالعلوم السياسية بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.
زر الذهاب إلى الأعلى