مدونات

اللغز الأعظم (4) ما الغرض من اختلاف ترتيب بعثنا مع بعث آدم

اقرأ المقال السابق من سلسلة اللغز الأعظم:

اللغز الأعظم (3) أدلة على مولد آدم على الأرض.. وأين توجد جنة آدم؟

بعد حسم الجدل بشأن مولد آدم على الأرض، في المقال السابق من سلسلة اللغز الأعظم، أعود للآية (59) من سورة آل عمران التي يمكن أن تعتبرها أنها تتناقض مع فكرة مولد آدم على الأرض: “إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون”. هنا يتكلم الخالق عن معجزة عيسى ومعجزة آدم؛ معجزة عيسى أنه خلق بدون أب، ومعجزة آدم ليس أنه خلق بدون أب ولا أم لأن ربنا قال: “مثل عيسى عند الله كمثل آدم”. وعيسى طبعًا له أم.

هنا المثل المقصود به هو الإعجاز في الخلق وقدرة الخالق على كل شيء. والإعجاز لعيسي خلقه بدون أب والإعجاز لآدم خلقه من مكونات التراب على هيئة التكليف والتكريم ثم ربنا قال له كن فيكون.
كن فيكون ليس معناها الخلق اللحظي كما يظن الكثيرون وربنا قادر على ذلك. إنما ربنا يسخر الأسباب الدنيوية لنفاذ رغبته كما شرحت سابقًا. ودليل على صحة كلامي هو الآية (117) من سورة البقرة: “بديع السماوات والأرض وإذا قضي أمرًا فإنما يقول له كن فيكون”. وكلمة (بديع) معناها خلق فأبدع بما فيها من مجرات ونجوم وسدم هذا غير خلق الأرض وبالطبع كل ذلك لم يكن خلق لحظي والله سبحانه قادرعلى ذلك إنما هوتسخير للأسباب الكونية لنفاذ رغبة الخالق بخلق السموات والأرض الذي استغرق مليارات السنين للوصول لشكلها الحالي، رغم الفترة الطويلة ربطها الخالق بكلمة: “كن فيكون”.

معنى كن فيكون

إذًا كلمة كن فيكون ليس معناها الخلق اللحظي، والله قادر على كل شيء. إنما معناها نفاذ إرادة الخالق بتسخير الأسباب الكونية فترة من الزمن وفي حالة السماوات كانت مليارات السنين وفي حالة آدم وخلقه كأول التكليف البشري كانت ملايين السنين وهي فترة التقويم البشري وصولًا لآدم.

كيفية نزول آدم من الجنة

هنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال هام: ما هي الكيفية التي نزل بها آدم من الجنة؟ من المعروف أن آدم وحواء كانا أناس كاملين في الجنة روح وجسد. إذًا هل انتقلت الروح منهم كذرية على الأرض مباشرةً؟ أم ماتا أولًا ثم خلقهم الله عز وجل على الأرض كذرية قوم غير مكلفين؟ أم نزلا بنفس هيئتهم وأجسادهم التي كانت في الجنة إلى الأرض والله سبحانه قادر على كل شيء؟

اقرأ المزيد : اللغز الأعظم (2) تكليف آدم.. ما الفرق بين التكليف والخلافة؟

كل تلك الأسئلة إجابتها في الآية الكريمة: الآية (28) سورة لقمان: “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير”. كما تأكدنا أن كلمة (نفس واحدة) هي إشارة لآدم عندما كان على الأرض، إذًا رب العالمين يقارن بين خلق وبعث الإنسان وبين المراحل التي مر بها آدم حتى خلقه على الأرض كذرية سلف غير مكلف.

في البداية كيف تم خلقنا على الأرض؟ إننا جميعًا ولدنا على الأرض وهوتمامًا ما حدث لأدم على الأرض وهو مولده كذرية من سلف غير مكلف، وهو إثباتًا لـ “كن فيكون”. وكيف سيتم بعثنا؟ على حسب الحديث الشريف أن الخلائق تركب من عظمة واحدة هي عظمة الذنب وهي آخر عمود الظهر ومنه يركب الخلق يوم القيامة، إذًا تركب أجساد الخلق أولًا وفي ذلك يقول الخالق بداية من الآية الثانية سورة القيامة: “أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوي بنانه”.

اقرأ المزيد : اللغز الأعظم (1) ماذا يعني “في أحسن تقويم”؟ وكيف بدأ الخلق؟

بعد تركيب الأجساد تكون نفخة الصور الثانية التي تعاد فيها الأرواح إلى أجساد الخلق بعد فترة من نفخة الصور الأولى التي يصعق فيها من في السماوات ومن في الأرض وفي ذلك يقول الخالق: الآية (68) سورة الزمر: “ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون”.

كلمة (ثم نفخ) دلالة على أن إعادة الروح يكون بعد خلق الأجساد. وهنا يتضح لنا أن بعثنا يكون بخلق الأجساد أولًا ثم إعادة الروح لأجساد الناس تمهيدًا ليوم الحساب. لننظر كيف خلق الله آدم في الجنة: بداية من الآية (71) من سورة ص: “إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”.  إذًا رب العالمين سوى آدم أولًا قبل بث الروح به، ذلك معناه أن الخالق خلق جسد آدم أولًا ثم بث به الروح ليصير إنسان كامل تمامًا عندما قال له كن فيكون كما سيحدث عند بعث الخلق بعد النفخة الثانية.

وبالعودة للآية الكريمة: الآية (28) سورة لقمان: “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير”.

يتضح لدينا التالي: خلق آدم في الجنة يتفق تمامًا مع بعث الناس بعد النفخة الثانية فكلاهما كان بإضافة الروح للجسد الكامل. وخلق آدم على الأرض يتفق تمامًا مع خلق جميع البشر على الأرض أن يولدوا كذرية من أب وأم. ولاحظ معي هنا أنه لا يوجد أي وسيلة للتسلسل بين الخلق والبعث في الآية الكريمة كحرف (ف) أو (ثم)، ذلك لأن خلقنا وبعثنا يختلف في الترتيب عن خلق وبعث آدم الأرضي فلا يصح وضع أي إشارة للترتيب هنا لأن رب العالمين وصف خلقنا وبعثنا بأنه تمامًا ما حدث لآدم الأرضي من خلقه أولًا في الجنة السماوية ثم مولده على الأرض بعد ذلك، وذلك بالطبع يتعارض في الترتيب مع خلقنا على الأرض ثم بعثنا بعد ذلك.

ما هو الغرض من قول كن فيكون بالنسبة إلى البعث؟

الغرض هو الإشارة لموتنا فترة من الزمن حتى نبعث بعد النفخة الثانية. أي أن الموت هوالحالة الوسطية لنا بين خلقنا وبعثنا. ورب العالمين ربط بين خلقنا ثم بعثنا بأنه تمامًا مثل النفس الواحدة فقال: “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير”. ومن ذلك نفهم أن الموت هوالحالة الوسطية أيضًا لآدم الأرضي (النفس الواحدة).

ومن ذلك يتضح لنا أن آدم بعد عصيانه لربه في الجنة مات فترة من الزمن حتى سخر الخالق الأسباب الدنيوية لخلق آدم على الأرض وهي تقويم الخالق للإنسان حتى يظهر آدم كبداية التكليف كذرية من سلف غير مكلف كما سأو ضح تفصيليًا في الجزء العلمي ثم سأختم  كلامي بالدليل الأوضح والأقوى من كتاب الله على تقويم الإنسان الذي يتوافق تمامًا مع الأدلة العلمية.

اقرأ المزيد :

وتلك الآية هي دليل آخر أن آدم الأرضي ولد على الأرض من أب وأم كما وصف رب العالمين “خلقنا على الأرض مثل خلق آدم من ذرية قوم آخرين غير مكلفين”. وينبغي هنا التدبر في آيتين بذلك الأمر: الآية (120) سورة طه: “فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلي”. والآية (20) سورة الأعراف: “فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين”.

في الآيتين يوسوس الشيطان لآدم ليأكل من الشجرة المحرمة وفي كل مرة يعده بالخلود والملك الذي لا يبلي (الجنة) لوأكل منها! كيف إذًا يحاول الشيطان إغواء آدم بالخلود وهوفعليًا في الجنة؟ هل كان آدم على علم بموته في كل الأحوال لذلك رأى الشيطان ذلك وسيلة لإغواء آدم بالخلود في الجنة؟ وذلك يبدو منطقيًا عند معرفتنا أن جنة آدم لم تكن هي جنة الخلد التي يدخلها يكون خالدًا أبدًا إنما كانت جنة اختبار لآدم وآدم بالتأكيد يعلم ذلك.

وفي ذلك إشارة ضمنية أن آدم لم يكن ليخلد في الجنة بأي حال إنما هي فقط فترة اختبار له كما بينا سابقًا في الفرق بين جنة الخلد وجنة آدم السماوية. فبعد عصيان آدم لربه تم حرمانه من كل ما وعده الشيطان به وهو(الخلود) و(الملك الذي لا يبلي): وفي ذلك موت آدم وحرمانه من الخلود، وهبوطه إلى الأرض كذرية قوم آخرين وحرمانه من الملك الذي لا يبلي وهو الجنة.

اختلافات جسد آدم الأرضي عن نظيره في الجنة

لنعدد معًا الفروق بين جسد آدم في الجنة وجسد آدم على الأرض؛ آدم في الجنة لا يجوع أبدًا ولا يعطش أبدًا، وذلك نراه واضحًا في الآيتين (118،119) من سورة طه: “إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، ذلك بالطبع لا يتفق مع الجسد البشري”. فهو يجوع فيأكل أو يعطش فيشرب، وتأكيدًا على تلك الفكرة هي الآية الرابعة من سورة قريش: “الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”، أي أن الجوع في القرآن الكريم هو الإحساس بالجوع وليس التضور جوعًا كما ذكرت سابقًا وذلك بالطبع لا يتفق مع صفات الجسد البشري، ذلك يتفق مع حال المتقين في جنة الخلد، فهم يأكلون ويشربون للمتعة فقط وليس بسبب جوع أو بسبب عطش.

رغم أن جنة آدم في السماء لم تكن غالبًا هي جنة الخلد لكن يجدر الإشارة إلى نقطة أخرى وهي من صفات المؤمنين في جنة الخلد وهي أن المؤمنون في جنة الخلد لهم القدرة على رؤية الخالق عز وجل وفي ذلك الآيتين (22،23) من سورة القيامة: “وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة”، لكن يستحيل رؤية الخالق بهيئة الجسد الأرضية فهو غير مؤهل لذلك وفي ذلك الآية (142) من سورة الأعراف: “قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني”.

وبالرجوع للآية (28) من سورة لقمان: “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير”، نجد فيها إشارة واضحة لاختلاف جسد آدم الأرضي عن نظيره في الجنة السماوية قبل نزول آدم إلى الأرض ويشبه الخالق ذلك بمولدنا على الأرض بجسدنا الأرضي بالنسبة إلى جسدنا بعد البعث عندما يقول سبحانه وتعالى كن فيكون ويطابق ذلك مع خلق آدم في السماء ومولده على الأرض.

وفي ذلك دليل آخر على الفرق بين الجسد الأرضي لآدم وجسده في السماء لأن من التشبيه نجد أن من صفات الأتقياء بعد البعث هي رؤية الخالق الذي يستحيل رؤيته مع جسدنا الأرضي وفي ذلك تصديقًا لاختلاف الجسد الأرضي عن السماوي كما أوضحت سابقًا.

ومن تلك الأدلة على اختلافات جسد آدم السماوي عن نظيره الأرضي نري أنها تنفي تمامًا الانتقال اللحظي لجسد آدم السماوي إلى الأرض والله سبحانه قادر على كل شيء. وكدليل أخير على موت آدم بعد عصيانه لربه وهي من سفر التكوين بالتوراة عندما يتكلم بوضوح عن موت آدم وحواء لو أكلا من الشجرة المحرمة. أعلم بتحريف التوراة لكني استبعد التحريف في النقاط الغيبية التي ليس لها أي مصالح شخصية أو عقائدية.

حل معضلة النفس الواحدة

الآية السادسة من سورة الزمر: “خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج”. والآية الأولى من سورة النساء: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء”.

من الآيتين نستخلص فكرتين :كلمة (نفس واحدة ) مقصود بها حتما آدم الأرضي. والنقطة الثانية أن ربنا خلق حواء من آدم وذلك الخلق كان على الأرض بدليل ربنا أكمل الآية بقوله: “وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء”. لنرجع للآية (98 ) من سورة الأنعام: “وهوالذي أنشأكم من نفس واحدة  فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون”. كلمة أنشأكم تدل على البداية من الصفر لأن معناها كما أوضحت هوخلق شيء لم يكن موجودًا من قبل وكما اتفقنا أن كلمة نفس واحدة هي إشارة لآدم الأرضي. ولا يوجد أي إشارة لحواء في الآيات السابقة أو اللاحقة ولا في السورة بأكملها.

إذًا رب العالمين أنشأنا بما فينا حواء من آدم فقط. كيف ذلك إذًا؟؟ هل سيلد آدم بمفرده بدون أنثى؟ قارن تلك الأفكار بآية اصطفاء آدم، اصطفاء آدم كان كبداية التكليف من بين سلف غير مكلف في مجتمع الأجناس البشرية الغير مكلفة التي عاصرت آدم.

ألىست حواء مكلفة؟ إذًا كيف كان الاصطفاء على حسب التكليف في ظل وجود حواء المكلفة؟ ارجع للآية (133 ) من سورة الأنعام: “وربك الغني ذوالرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين”. وكلمة أنشأكم وهي الكلمة التي ربطها رب العالمين بآدم الذي هو من ذرية قوم آخرين غير مكلفين.

بقية السلسلة:

اللغز الأعظم (5) أصل الإنسان.. وتفسير “آدم العلمي” و”حواء الميتوكوندريا”

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق