مدونات

اللغز الأعظم (3) أدلة على مولد آدم على الأرض.. وأين توجد جنة آدم؟

بعد حل لغز تكليف سيدنا آدم عليه السلام، وشرح الفرق بين التكليف والخلافة، وكذلك توضيح معنى أحسن تقويم والحديث عن بداية الخلق، سنتحدث الآن عن مولد آدم ونسرد بعض الأدلة التي تشير إلى ولادته على الأرض.

اللغز الأعظم (1) ماذا يعني “في أحسن تقويم”؟ وكيف بدأ الخلق؟

اللغز الأعظم (2) تكليف آدم.. ما الفرق بين التكليف والخلافة؟

الآية (133) من سورة الأنعام : “وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين”.

بداية ما معنى الفعل (أنشأ)؟ كما يقول المعجم المحيط: هوتكوين شيء جديد أو إحداث شيء جديد. كما نري أن الإنشاء هو صنع شيء لم يكن موجودًا من قبل وفي الآية الكريمة هو خلق شيء لم يكن موجودًا من قبل.

ما هو الشيء الذي لم يكن موجودًا؟ هو الإنسان المكلف الذي أوله آدم. ودليلي على ذلك أن في الآية السابقة قال الخالق: “ولكل درجات مما عملوا”، وبالطبع الذين لهم درجات لهم حساب والحساب للمكلف فقط.

يقول الخالق: “وربك الغني ذوالرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين”. كما فهمنا أن الإنشاء هوخلق الإنسان المكلف الذي لم يكن موجودًا قبل آدم. وكما قال الخالق أنه أنشأنا من ذرية قوم آخرين والحديث للإنسان المكلف إذا ذلك يعني أن الله أنشأ آدم من ذرية قوم آخرين أي أنه ولد على الأرض من قوم آخرين وهم تحديدًا السلف البشري الغير مكلف الذي سبق وعاصر آدم وسأوضح ذلك في حديثي عن الأجناس البشرية ومكان آدم فيها وبالأدلة العلمية.

هنا كلمة (ذرية) تقطع الشك باليقين. فهي دليل على أن آدم مر بمراحل النمو الطبيعية من طفولة وشباب وكهولة فهو من ذرية قوم آخرين وهوالجنس البشري غير المكلف السابق لآدم. وإلا ما فائدة خلق أجناس بشرية قبل مولد آدم ؟ سبحانه لا يخلق شيئًا عبثًا.

هنا يمكنك التشكيك والقول: كيف عرفت أن كلمة (أنشأكم) يقصد بها آدم الأرضي تحديدًا؟ رغم وضوح الآية هناك دليل أن الخالق اختص آدم عندما كان على الأرض بكلمة (أنشأكم) في القرآن الكريم وهو من تكامل آيات الله عز وجل.

النساء(٨٢): “أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا”. هنا أذكر آيات النفس الواحدة التي سأناقشها تفصيليًا لاحقًا ومنها الآية الأولى من سورة النساء: “يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء”. والآية (٦) من سورة الزمر: “خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج”.

من الآيتين نستنتج يقينا أن كلمة (نفس واحدة) المراد بها مولد آدم عندما كان على الأرض ودليلي أن الخالق أكمل الآية الأولى بسورة النساء بقوله: “وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء” وذلك تجده أيضًا بوضوح في التفاسير القديمة.

ثم ننظر للآية (٩٨) من سورة الأنعام: “وهوالذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون”. وفي تلك الآية لا يوجد ذكر لحواء في الآيات السابقة والتالية ولا في السورة بأكملها.

هنا حينما ذكر الخالق كلمة (النفس الواحدة) منفردة ربطها بكلمة (أنشأكم) وكما ذكرت أن النفس الواحدة هي إشارة لآدم عندما كان على الأرض لذلك يتضح أن الخالق اختصه في آياته بكلمة (أنشأكم)، وذلك يبدو لي منطقيًا جدًا مع الأخذ في الاعتبار معنى كلمة (أنشأكم) وهو كما ذكرت خلق شيء لم يكن موجودًا من قبل وفي تلك الحالة هو أول إنسان مكلف على الأرض.

وفي ذلك دليل أن حين قال الخالق: (أنشأكم من ذرية قوم آخرين) هي إشارة لآدم الأرضي تحديدًا كذرية من سلف غير مكلف. وتلك الآية دليل آخر أن مولد آدم سبق حواء على الأرض بفترة من الزمن كالمكلف الوحيد، ثم خلقها منه ثم زوجهم وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء وهم بداية التكليف البشري. وسأناقش تفصيليًا الإشارات العلمية في آيات النفس الواحدة لاحقًا.

هنا قد يلح عليك سؤال هام: ما سبب تورية تلك المعلومة في القرآن الكريم بتلك الكيفية؟ والإجابة هي نفس الإجابة لو سألت عن سبب تورية الإشارات العلمية في القرآن الكريم. وهي أنه لا ينبغي لتلك المعلومة أن تعرف في زمن لا يملك فيه الإنسان علوم الحفريات البشرية الكافي الذي أتاح لنا حاليًا أن نفهم لماذا تم تكليف آدم ولا ينبغي تكليف الجنس البشري السابق له كما سأشرح تفصيليًا في الجزء العلمي من البحث.

ومن ناحية أخري يعتقد الكثيرون أن هناك تعارض بين مولد آدم على الأرض وبين آيات هبوط آدم من الجنة كإنسان مكتمل صفات التكليف. لذلك ابتعد المفسر القديم والحديث عن توضيح الآية بتلك الكيفية لأنه لا يملك إجابة للسؤال عن كيفية هبوط آدم وما علاقة ذلك بمولده على الأرض. ذلك الغموض اختصه الخالق بآية خصيصًا لشرح كيفية نزول آدم من الجنة سأذكرها لاحقًا بالإضافة لتوضيح معنى الهبوط والنزول في القرآن الكريم وعلاقة ذلك بحل لغز هبوط آدم من الجنة.

إذًا الإنسان المكلف وأوله آدم خلق من ذرية قوم آخرين غير مكلفين ويتفق ذلك تمامًا مع الفكرة التي فهمناها من الآية (21) من سورة البقرة: “يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون”، التي تشير إلى توجيه أمر العبادة إلى الناس المكلفين فقط.

الواضح هنا أن آدم عاصر بشر غير مكلف وإلا كيف اصطفاه الخالق؟ اصطفاء آدم هو اصطفاء من بشر غير مكلفين وهم تحديدًا الجنس البشري الذي سبق آدم كما قال الخالق في الآية (133) من سورة الأنعام “من ذرية قوم آخرين”.

التناقض بين الهبوط من الجنة وبين مولد آدم على الأرض

بالرجوع للآيتين (35،36) من سورة البقرة : “وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين”.

نلاحظ هنا أن أمر الهبوط كان لآدم وحواء والشيطان، وكما نعلم أن آدم وحواء كانوا أناس كاملين في الجنة روح وجسد ولا شك في ذلك، وأمر الهبوط كان لهما في نفس اللحظة أي أنهم لابد من تواجدهم في الأرض معًا في نفس اللحظة كما كانا سويًا في الجنة السماوية.

اربط تلك الفكرة بالفكرة التي فهمناها من الآية السادسة من سورة الزمر: “خلقناكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج.. إلى آخر الآية”. وكما فهمنا من آيات النفس الواحدة أن كلمة (النفس الواحدة) هي إشارة لآدم الأرضي ولا يصح التشكيك في تلك النقطة للوضوح الشديد لآيات النفس الواحدة، لاحظ هنا الاستعانة بـ (ثم) في الآية السابقة التي تفيد التمهل والترتيب.

أي أن الآيتين (36،37) من سورة البقرة  تشير إلى نزول آدم وحواء معًا في نفس اللحظة والآية السادسة من سورة الزمر تشير إلى وجود آدم منفردًا على الأرض فترة ثم خلق حواء منه لاحقًا. أي تناقض هذا؟

أضف إلى ذلك الأدلة الدينية التي ذكرتها سابقًا لوجود آدم منفردًا على الأرض فترة من الزمن قبل ظهور حواء، هل تظن أن هناك تناقض بين آيات الكتاب كما يدعي الملحدون أم نحن لم نفهم مغزى هبوط آدم جيدًا؟

هنا يجب الحديث عن مبدأ تسخير الأسباب الدنيوية وعلاقة ذلك بكلمة النزول أو الهبوط في القرآن الكريم: “يسخر الخالق الأسباب الدنيوية لنفاذ رغبته وله حكمته في ذلك”.

مبدأ تسخير الأسباب الدنيوية

المثل الأوضح هوالآية (25) من سورة الحديد: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز”.

من الثابت علميًا أن نسبة الحديد حوالي 35% من مكونات الأرض، وهي نسبة أكبر من المعتادة  لوعرفنا أن الحديد يتكون نتيجة اندماج نووي في النجوم الكبيرة جدًا فقط، هنا يرتبط نزول الحديد مع خلق القمر الضروري لنشأة الحياة على الأرض. بدون تفاصيل علمية فإن أقوي نظريات نشأة القمر هي باصطدام كويكب بحجم المريخ بالأرض في بداية نشأتها تسبب بدوران الأرض واندمجت نواته الحديدية مع نواة الأرض مكونة لب الأرض الحديدي الذي بدوره كون المجال المغناطيسي للأرض الضروري للحياة وغيرها من المنافع اللي سهلت نشأة الحياة على الأرض.

لماذا تم ذكر ذلك المثال؟ لأنه مثال لتسخير الأسباب الدنيوية والكونية من الخالق لنفاذ إرادته وهو في مثالنا ذلك كان نشأة الحياة على الأرض بخلق القمر ووجود مجال مغناطيسي ودوران الأرض وغيرها من الأسباب. إذًا ما هوالسبب الدنيوي الذي سخره الخالق لهبوط آدم على الأرض في قوله في سورة الأعراف الآية (24): “قال اهبطوا بعضكم لبعض عدوولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين”.

السبب الدنيوي الذي سخره الخالق لهبوط أو مولد آدم على الأرض هو تقويم الإنسان على الأرض الذي أتاح لآدم أن يولد مكتملًا عنده صفات التكليف ويصطفيه الخالق كأول مكلف على الأرض من ذرية غير مكلفة دون وجود لحواء فترة من الزمن كما شرحت سابقًا.

ونلاحظ هنا التوافق بين الكلمتين: كلمة اهبطوا في آية آدم وكلمة أنزلنا في آية الحديد. وهنا يتضح لنا بأن الهبوط أو النزول بالقرآن الكريم يعني أن الخالق يسخر الأسباب الدنيوية لنفاذ إرادته في الحالتين مع اختلاف فترة تسخير الأسباب. وعليه نفهم أنه لا تعارض في كتاب الله بل نحن لم نعي معنى الهبوط والنزول في القرآن الكريم جيدًا.

مكان جنة آدم

من المهم هنا أن أوضح أن جنة آدم التي ذكرها الخالق في آياته لم تكن على الأرض كما يعتقد البعض، بالرجوع للآيتين (35،36) من سورة البقرة: “وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين”. هنا ربط الخالق فكرة هبوط آدم وحواء إلى الأرض بفكرة أن سيكون لهم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، من ذلك الربط نرى أنه من المحال أن تكون جنة آدم في الأرض وإلا ما قال الخالق أن سيكون لآدم وزوجه مستقر ومتاع على الأرض.

أضف إلى ذلك ما نراه واضحًا في الآيتين (118،119) من سورة طه: “إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى”. هنا يصف الخالق جنة آدم بأن آدم لن يجوع فيها ولا يعطش أبدًا وذلك بالطبع غير صحيح على الأرض حتى لوفرضنا توافر الماء والغذاء فلا يمنع ذلك أنك تجوع لحظات ثم تأكل أو تعطش لحظات ثم تشرب، وكلمة (الجوع) بالقرآن الكريم تعني الإحساس بالجوع وليس التضور جوعًا وذلك نراه واضحًا في الآية (155) من سورة البقرة: “ولنبلونكم  بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”، ويصف الخالق أن آدم لن يضحى فيها أبدًا، ومعني يضحى أن يمسه حر الشمس وذلك لأنه لا يوجد شمس في جنة السماء وهو ما ينفي تمامًا أن تكون جنة آدم هي جنة أرضية .

أضف إلى تلك الفكرة حديث رسول الله: “يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك”. هنا يتضح لنا من طلب المؤمنون من آدم أن خروج آدم من الجنة كان بسبب خطيئته ولا يستطيع فتح الجنة كما ورد بالحديث وعليه يتضح أن جنة آدم لم تكن أرضية إنما كانت جنة سماوية.

هنا ينبغي الإشارة إلى رأي بعض رجال الدين أن جنة آدم لم تكن هي جنة الخلد التي وعد المتقون بل كانت جنة سماوية معدة لاختبار آدم، ويستندون على ذلك أن جنة الخلد لا يدخلها شيطان، ولا يوجد فيها تكليف، ومن يدخلها لا يخرج منها أبدًا كما حدث مع آدم، وفي ذلك أراها فرضية منطقية، أن جنة آدم في السماء لم تكن هي جنة الخلد تحديدًا إنما جنة أعدها الخالق لاختبار آدم وبيان أن الشيطان عدوله عند نزوله الأرض، لكن في كل الأحوال لم تكن جنة آدم جنة أرضية وهوما يهمنا التأكيد عليه هنا بعد أن انتهينا من توضيح حقيقة مولد آدم على الأرض أيضًا.

بقية السلسلة:

اللغز الأعظم (4) معنى “كن فيكون” وحل معضلة النفس الواحدة

اللغز الأعظم (5) أصل الإنسان.. وتفسير “آدم العلمي” و”حواء الميتوكوندريا”

اللغز الأعظم (6) الهومواريكتس وتقويم الإنسان.. مع تلخيص للسلسلة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق