مدونات

اللغز الأعظم (2) تكليف آدم.. ما الفرق بين التكليف والخلافة؟

على افتراض صحة فرضية  تقويم الإنسان إذا حتمًا هناك كائن بشري قبل نزول آدم ولكن آدم هو أول من تم تكليفه، وفي الأسطر القادمة سنوضح معنى تكليف آدم .

اقرأ المقال السابق من سلسلة اللغز الأعظم:

اللغز الأعظم (1) ماذا يعني “في أحسن تقويم”؟ وكيف بدأ الخلق؟

معني تكليف آدم 

آدم هو أول إنسان مكلف على الأرض، ما معني مكلف؟ تعني أن كرمه الخالق واجتمعت فيه الصفات النفسية والعقلية والجسدية الكافية كي يستطيع تعمير الأرض ثم يحاسبه الخالق ويدخله الجنة أو جهنم تبعًا لعمله.

وكذلك كلمة إنسان وهي كلمة مرتبطة بالتكليف الإلهي لقول الخالق في الآية (٧٢) من سورة الأحزاب: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا”.

إذًا معني ذلك أن آدم هو أول إنسان مكلف ومكرم على الأرض. وأي كائن بشري قبل آدم هو كائن غير مكلف كغيره الكثير من خلق الله على الأرض، ليس له تكليف وليس له حساب وبالتبعية ليس له ثواب خير وهو الجنة وليس له عقاب الآثام وهو النار. آدم هو بداية التكليف على الأرض.

أدلة عدم وجود تكليف للأجناس السابقة لسيدنا آدم

قال الخالق في سورة البقرة الآية (30): “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون.

ما هو المعني اللغوي لكلمة (خليفة) ؟

المعنى اللغوي لكلمة (خليفة) هو كل من يخلف من سبقه يطلق عليه خليفة.

وقد أضاف القرآن الكريم ملاحظة أخري لفهم كلمة (خليفة) حين تذكر في القرآن. وهي الآية (26) من صورة (ص): “يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”.

هنا أطلق رب العالمين على داوود كلمة (خليفة) لأكثر من سبب. أول سبب لأن داوود خلف من قبله، وثانيهم لأن داوود تميز بالحكمة عمن قبله كما قال الخالق في نفس السورة الآية (20): “وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب”.

وكما قال الخالق في الآية (26): “يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”. ونفهم من هنا أن الوصف القرآني لكلمة (خليفة) يندرج منه الخالف لمن قبله بالإضافة إلى ميزة تميزه عمن قبله وكما فهمنا ميزة داوود هي الحكمة ليحكم بين الناس بالحق كما قال رب العالمين.

ونفس الكلمة أشار بها الخالق لآدم عند نزوله على الأرض في قوله: “إني جاعل في الأرض خليفة”.. إلى آخر الآية.

ما التوافق بين وصف داوود بالخليفة ووصف آدم بالخليفة على الأرض؟

داوود خلف من قبله وميزه الخالق بالحكمة عمن قبله، وآدم خلف من قبله من جنس بشري غير مكلف وميزه الخالق عمن قبله بالصفات التي جعلت تكليف آدم بداية التكليف البشري على الأرض.

لنري رد الملائكة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك”. لو رجعت للمراجع الدينية القديمة ستجد الوصف هنا وجود جاء قبل نزول آدم على الأرض فكان يحدث بينهم فساد وسفك دماء حتى نزلت الملائكة وقتلتهم لإفساح الأرض لنزول آدم من الجنة وبداية تكاثر البشر وتعميرهم الأرض.

في البداية وصف (سفك دماء) يطلق على البشر فقط دون غيرهم من الكائنات وفي ذلك نجد وصف الخالق في الآية (84) من سورة البقرة: “وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون”.

أضف إلى ذلك أن الجان ليس لهم دمًا بل هم مخلوقات من نار. المقصود في الآية وكما أشارت إليه أيضًا كلمة (خليفة) هو ما كان يحدث من أجناس بشرية غير مكلفة من فساد وسفك دماء في الصراع على الغذاء والتناسل وغيرهم.

وآية أخري هي الآية (21) من سورة البقرة: “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون”. لمن تشير كلمة (خلقكم)؟  تشير للناس وتشير للذين من قبلهم. ولمن تشير كلمة (اعبدوا ربكم)؟ تشير للناس فقط. لماذا إذًا؟

في البداية كلمة (الناس) هي كلمة مرتبطة بالتكليف كما في قول الخالق في الآية (9) من سورة آل عمران: “ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد”.

تشير الآية (21) من سورة البقرة إلى أن ربنا خلق الناس المكلفين بالعبادة مثل تكليف آدم وخلق الذين قبلنا من جنس بشري غير مكلف بالعبادة وكانت مرحلة  فقط  للتقويم البشري الذي أوصل البشر بعد ذلك لمرحلة التكليف البشري، كلمة الذين من قبلكم هي إشارة للخلق البشري قبل التكليف وتمت الإشارة لها بكلمة (خلقكم) دون أمر بالعبادة كما حدث عندما أشار الخالق لكلمة (الناس).

هنا يمكنك التشكيك في المعني السابق والقول إن أمر العبادة موجه للناس الأحياء فقط فلا يمكن توجيه الأمر للأموات لذلك لم يأمرهم الخالق بالعبادة.

هنا لي رد بسيط، أليس القرآن موجه للناس الأموات عندما كانوا على قيد الحياة؟ وتلك الآية عند حياتهم كانت تأمرهم بالعبادة أيضًا؟ وكذلك من قبلهم ومن قبلهم حتى بدء التكليف وهو آدم؟ إذًا ما المقصود بكلمة الناس؟ المقصود هم كل البشر المكرمين المكلفين بداية من آدم حتى قيام الساعة كما أوضحت سابقًا.

ولذلك معنى عدم توجيه أمر العبادة لمن سبق الناس لأنهم سبقوا آدم فلا تكليف لهم كما سأوضح ذلك علميًا مع توضيح مكان آدم في سلسلة التقويم البشري مدعمًا بأدلة دينية وعلمية.

آية ثالثة هي الآية (14) من سورة نوح: “ما لكم لا ترجون لله وقارًا، وقد خلقكم أطوارًا؟”

هنا نداء نوح لقومه ويستعجب أن لا يرجون لله وقارًا كما خلقهم أطوارًا. ومن معاني كلمة (أطوارًا) كما يقول معجم المعاني الجامع هوالصنف أو النوع. أي أطوار قصدها سيدنا نوح؟ خذ في اعتبارك عدم معرفة سيدنا نوح أطوار الجنين على سبيل المثال فهو يتكلم من منطلق علمه البسيط فقط وهوراجع لما يراه بعينه من أطوار بشرية غير مكلفة بالعبادة التي عاصرت أول جنس بشري مكلف وأوله تكليف آدم والذي تلاه سيدنا نوح كما سأوضح بالجزء العلمي من البحث. من ذلك نرى أن كلمة (أطوارًا) ليس لها غير فرضية واحدة وهي الأجناس البشرية التي عاصرت أول جنس بشري مكلف وأوله آدم .

دليل آخر هو الآية (184) من سورة الشعراء وهونداء شعيب لقومه: “واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين”. هنا نداء شعيب لقومه أن يتقوا ربنا الذي خلقهم، وخلق من أيضًا؟

خلق الجبلة الأولين، هنا النداء بالتقوى كان لقوم شعيب المكلفين فقط ووصف للجبلة (الآباء والأجداد) الأولين جاء بخلقهم فقط بدون نداء للتقوى لأنهم أجناس بشرية لم تكتمل عندهم صفات التكليف.

وآية أخري هي الآية (33) من سورة آل عمران: “إن الله اصطفي آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين”.

لو استعنت بالتفاسير القديمة ستجد أن معني اصطفاء تكليف آدم هو لأن آدم كان مخير للعبادة من وسط ملائكة مسخرين للعبادة وذلك قبل نزول آدم للأرض لذلك هوالمصطفي من بين الملائكة المسخرين للعبادة لأنه اختار عبادة الخالق طواعية رغم أنه مخير وليس مسخر للعبادة مثل الملائكة.

ليس هذا هو معني الاصطفاء، هل سأصطفي أحسن مهندس من وسط مجموعة من الأطباء؟ الاصطفاء هو اختيار الأفضل من نفس النوع لميزة تميزه عن أمثاله. وفي ذلك يقول الخالق في الآية (144) من سورة الأعراف: “قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين”.

هنا كان اصطفاء سيدنا موسى من بين نفس النوع وهو الناس وذلك لميزة ميزته وهي رسالات الخالق وتكليم الخالق له. كما أن اصطفاء آدم لم يكن في الجنة بل كان على الأرض بدليل ربط الخالق اصطفاء آدم باصطفاء نوح وآل إبراهيم وآل عمران وهم من خلق الله على الأرض. كما أن جنة آدم لم تكن على الأرض كما يظن البعض وسأناقش ذلك لاحقًا.

كيف كان اصطفاء آدم؟ من بين من لو كان بمفرده على الأرض؟

اصطفاء آدم يعني أن الله اصطفاه من بشر لم تكتمل عندهم صفات التكليف والتكريم وبذلك آدم هو أول المكلفين من أجناس بشرية سابقة له على الأرض. وتلك ملاحظة هامة لحل لغز زواج قابيل وهابيل في الأديان السماوية لوكانوا هم الذكور الوحيدين وقتها بالإضافة إلى أمهم حواء وأخواتهم الإناث كما تقول بعض المراجع الدينية، وستثبت تلك الفكرة أن بدايات البشرية لم تكن من زواج أخوة وأخوات كما يعتقد بعض رجال الدين لما في ذلك من آثار بيولوجية كارثية لا يمكن حدوثها والبشرية مازالت في مهدها.

نصل لملاحظة هامة: ألم تكن حواء مكلفة؟ إذا كيف كان اصطفاء آدم بسبب التكليف؟

هنا نستنتج أن تكليف آدم سبق حواء بفترة من الزمن كان فيها آدم هو المكلف الوحيد على الأرض وسط أجناس بشرية غير مكلفة وهناك أدلة دينية أخري تؤيد تلك الفكرة ستتضح عند حديثي عن حل معضلة النفس الواحدة كما يتفق العلم مع تلك الفكرة كما سأناقش لاحقًا.

وآية أخيرة يلمح فيها الخالق بأن الإنسان كانت له فترة عدم تكليف على الأرض، وللحكمة القرآنية هي الآية الأولى من سورة الإنسان: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، وبالطبع في الآية إشارة واضحة للأجناس البشرية غير المكلفة التي سبقت وعاصرت آدم على الأرض.

هل لآدم أب وأم ؟

نعم، آدم الأرضي له أب وأم لكنهم غير مكرمين وغير مكلفين.

المزيد : اللغز الأعظم (3) أدلة على مولد آدم على الأرض.. وأين توجد جنة آدم؟

بقية السلسلة:

اللغز الأعظم (4) معنى “كن فيكون” وحل معضلة النفس الواحدة

اللغز الأعظم (5) أصل الإنسان.. وتفسير “آدم العلمي” و”حواء الميتوكوندريا”

اللغز الأعظم (6) الهومواريكتس وتقويم الإنسان.. مع تلخيص للسلسلة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق