مدونات

اللغز الأعظم (1) ماذا يعني “في أحسن تقويم”؟ وكيف بدأ الخلق؟

سأبدأ بالدليل الأقوى لهدم فرضية تطور الجنس البشري، وهي الآية الرابعة بسورة التين: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”. وسأتكلم عن اللغز الأعظم، الذي كان السبب في إلحاد الآلاف حول العالم. إننا نسمع عن اكتشافات لأحافير بشرية من مليون سنة أو أكثر، من أقدمهم الحفرية (آردي) التي عاشت من 4.4 مليون سنة مضت.

(آردي) كان حجم رأسها أكبر قليلًا من الشمبانزي الحالي وتعتمد كليًا على غرائزها ولا تستطيع الكلام ولا حتى المشي معتدلة. ببساطة (آردي) لا يمكن أن تكون من سلف آدم، لأن آدم مكرم ويستطيع الكلام وحجم رأسه كبير ومتطور بدرجة كافية حتى تكون له صفات عقلية ونفسية تمنحه صفة التكريم والتكليف الإلهي كبداية للتكليف البشري على الأرض. إذًا حتمًا آدم لم يوجد قبل (آردي)، إذًا متى كان آدم؟

على حسب تفكير الملحد وضعيف الإيمان، آدم ليس إلا أسطورة من أساطير الأديان ولا دليل علمي عليه والأديان كلها صناعة بشرية والخلق كله حدث صدفة كونية كما يدعي الملحدون. وفي الأسطر القادمة سوف أثبت علميًا وجود آدم كأول مكلف على الأرض ومكانه وسط الأجناس البشرية بالأدلة العلمية وما يتوافق معها من الأدلة الدينية لذلك تحلى بالصبر وستجد إجابة لكل أسئلتك الدينية والعلمية.

معني كلمة (تقويم)

على حسب تفسير ابن كثير يقول إن معنى أحسن تقويم هو أحسن صورة ولا تختلف كثيرًا باقي التفسيرات.

وبالرجوع لحديث رسول الله عن آدم: “خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، إلى آخر الحديث”، ورغم الجدل المثار عن صحة هذا الحديث لكنه حديث قوي السند فسأفترض أن آدم كان طويل جدًا، إذًا من الآن في أحسن صورة؟ آدم وهو ستون ذراع (حوالي 25 مترًا) أم طول الإنسان الحالي (متوسط 1.8متر) على حسب تفسير أن مقصد الآية هو أحسن صورة؟

ناهيك عن عورات الإنسان التي تجعل المقصد من المؤكد أنه ليس أحسن صورة ولو مقصد الآية الصورة أو الهيئة لذكرت كذلك أو كلمة لها نفس المعني، لكن قال الخالق: “في أحسن تقويم”. هذا غير وصف ربنا للإنسان بالضعف في الآية (28 ) من سورة النساء: “يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا”.

ما المقصود بكلمة “أحسن تقويم”؟

المقصود ببساطة هو أحسن تقويم وليس أحسن صورة والفرق كبير في المعني. لنرجع لأصل الكلمة وهوالفعل: قوّم، على حسب المعجم الوسيط قوّم بمعني:عدّل وهذب وأصلح، والمقصود هنا تقويم الإنسان الذي استمر ملايين السنين كما سأوضح في الجزء العلمي من البحث. ودليل بسيط على تقويم الإنسان هوآدم نفسه الذي كان طوله حوالي 25 متر وتناقص الخلق حتى الآن على حسب الحديث الشريف السابق ذكره.

قد يرى البعض تناقض في قولي مع الآية الثالثة بسورة التغابن: “خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير”. هنا لا وجود للتناقض، فأنت حسن الصورة، وأنا حسن الصورة، لكنك لست في أحسن صورة، بل الإنسان في أحسن تقويم وليس في أحسن صورة.

يمكنك أن تشكك وتقول هل ستغير في مقصد معاني القرآن الموجود من أكثر من ألف سنة؟ سأرد عليك بالقول أن تفسيرات التشريعات والقصص والتكليفات سليمة وثابتة مهما مر الزمن لكن التفسيرات التي لها إشارات علمية بعيدة عن الصحة بسبب الفارق العلمي المهول بين زمن التفسير وزمننا الحالي مما لا يتيح للمفسر القديم العلم الكافي لكشف المقصد العلمي للآية.

وهنا أعتبر يقينا أن كلمة أحسن تقويم تحمل إشارة علمية غاية في الأهمية كما سأثبت علميًا في السطور القادمة. وسأعطيك مثال واحد من عشرات الأمثلة المتاحة التي توضح فكرتي:

في صورة التكوير بدأها الخالق بقوله: “إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت”. لورجعت للتفسيرات القديمة ستجد كورت بمعني أظلمت أو اضمحلت ومعنى انكدرت أن النجوم تساقطت.

أي مبتدئ في علم الفلك يستطيع أن يعرف أن المقصود من الآيتين هو موت النجوم. الشمس من النجوم المتوسطة التي تتحول إلى عملاق أحمر بعد أن تستنفذ مخزونها من الهيدروجين في القلب ويتبقى اندماج نووي للهيدروجين على قشرة الشمس والطاقة الناتجة تسبب تضخم مهول لحجم الشمس إلى أكثر من 200 ضعف حجمها الأصلي ومازال قلبها موجودًا فهي أصبحت كالكرة الكبيرة وفي ذلك يقول الخالق إذا الشمس كورت.

من ناحية أخري نلاحظ موت النجوم الكبيرة (8 مرات كتلة الشمس وأكثر) تموت بانفجار مهول (سوبرنوفا) بعد أن تصل لمرحلة عدم اتزان بعدما تتدرج في طريق الاندماج النووي حتى الحديد فتنتصر الجاذبية على الطاقة النووية المتولدة من الاندماج النووي فينفجر النجم أكبر انفجار في الكون وتنثر كل عناصر الجدول الدوري إلى الفضاء مكونة سديم مهول وفي ذلك يقول الخالق: “وإذا النجوم انكدرت”.

وانكدرت بمعنى تناثرت، ووصف التناثر هنا دقيق جدًا يجمع بين وصف الانفجار ووصف تناثر العناصر التي نتجت من الاندماج النووي. لو رجعت لتفسير القرطبي مثلًا ستجده يقول أن المعنى اللغوي أنها تناثرت لكنه بالطبع لم يعرف الإشارة العلمية للتناثر لذلك وصفها أنها تساقطت وذلك بالطبع تفسير غير صحيح.

هنا السؤال هل لو كانت معلومة موت النجوم معروفة وقتها هل كان سيختلف التفسير؟ بالتأكيد كان سيختلف نتيجة للفارق العلمي المهول بين علمنا الآن والعلم المتوافر لدى المفسرين من ألف سنة مضت أو أكثر الذي يجعلنا قادرين على فهم المغزى العلمي لآيات لم يستطيعوا معرفة مقصدها بسبب المستوى العلمي المتواضع لتلك الفترة.

إذًا الآيات ذات الإشارات العلمية من غير المرجح أن تجد تفسيرها الصحيح في التفسيرات القديمة إنما يتضح معناها مع مرور الزمن وزيادة العلم البشري.

ما المقصود تحديدًا بالتقويم الذي ذكره الخالق في سورة التين؟

لنري أولًا ماذا قال الخالق عن علم تقويم الإنسان في الآية 20 سورة العنكبوت: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير”.

كلمة “انظروا” وكلمة “كيف بدأ الخلق” دليل على أن المقصد هو دراسة عظام الإنسان القديمة لأنها تعتمد بالأساس على التدقيق واستخلاص المعلومات من شكل العظام القديمة كما أن ليس بالسهولة العثور عليها نظرًا لقدمها وندرتها فلذلك علينا أن نبحث جيدًا عنها في الأرض لنتعلم كيف بدأ الخلق كما قال رب العالمين في آياته.

وكيف عرفت أن مقصد كلمة (بدء الخلق) هو خلق الإنسان وليس خلق آخر كخلق الكون مثلًا أو الحياة على الأرض؟ لأن الخالق أكمل الآية بقوله: “ثم الله ينشئ النشأة الآخرة”، وهي نشأة البعث ويوم القيامة مما يعني إن الآية الكريمة كان يقصد بها خلق الإنسان وليس خلق آخر.

دليل آخر إن كلمة (بدأ الخلق) في القرآن يقصد بها بدء خلق الإنسان وليس خلق آخر هي الآية (11) من سورة الروم : “الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون”.

يتضح هنا أن كلمة: (ثم يعيده) تشير إلى بعث الإنسان مما نفهم منه أن كلمة بدء الخلق مقصدها هو بداية خلق الإنسان على الأرض وليس أي خلق آخر كخلق الحياة على الأرض أو خلق الكون مثلًا.

إذًا هنا بداية الخلق يقصد بها بداية خلق الإنسان وتقويمه في أحسن تقويم الذي استمر على مدى ملايين السنين، كما سأثبت ذلك دينيًا وما يؤكد ذلك من الأدلة العلمية في الأسطر القادمة.

بقية السلسلة:

اللغز الأعظم (2) تكليف آدم.. ما الفرق بين التكليف والخلافة؟

اللغز الأعظم (3) أدلة على مولد آدم على الأرض.. وأين توجد جنة آدم؟

اللغز الأعظم (4) معنى “كن فيكون” وحل معضلة النفس الواحدة

اللغز الأعظم (5) أصل الإنسان.. وتفسير “آدم العلمي” و”حواء الميتوكوندريا”

اللغز الأعظم (6) الهومواريكتس وتقويم الإنسان.. مع تلخيص للسلسلة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق