ثقافة و فنون

اللغة والهوية صراع من أجل البقاء فرضه المستعمر

مما لا جدال فيه أن العالم اليوم بكل أطيافه وتلويناته يعيش صراعًا كبيرًا على مستوى اللغة والهوية والدين، تكثر فيه الهويات وتتزاحم فيه اللغات، وتفرقه كثرة الأديان والمعتقدات، وكل شخص في هذا العالم الواسع يريد أن يرسخ هويته ولغته ودينه على حساب هويات وأديان ولغات أخرى، ناسيًا أو متناسيًا أن أسمى ما في الحياة هو ذلك الإختلاف، فلو أراد الله الحياة على نحو واحد لخلقها كذلك، فهو غير عاجز عن فعل هذا الأمر.

رحلة اللغة والهوية بين الماضي والمستقبل

لقد عرف الإنسان منذ فجر التاريخ وحتى اليوم صراعات خطيرة على مستوى اللغة والهوية، هذا الصراع الذي نعيشه اليوم يقود العالم نحو الدمار والخراب، فمناطق من العالم أبيدت لغتهم الأم ولم نعد نسمع عنها بسبب الغطرسة الإستعمارية، وأخص هنا دول امريكا الجنوبية، بل وقارة أمريكا كلها ودول أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء كبيرة من دول آسيا.

إن المتمعن اليوم في لغة هذه الدول سيستغرب -لا محالة- كونها تتحدث البرتغالية أو الإنجليزية، أو الإسبانية، وبدرجة أقل اللغة الفرنسية، وسيطرح السؤال التالي: أين إختفت اللغة الأم لهؤلاء؟

إن الجواب على هذا السؤال يرجع بنا إلى مرحلة مهمة من التاريخ البشري، مرحلة الإستكشافات الجغرافية والغزو الإمبريالي الذي انتهجته الدول الأوروبية لهذه المناطق المستضعفة من العالم (والتي ستصبح فيما بعد دول العالم الثالث). فحضارة المايا والأنتيكا والهنود الحمر وغيرها من الحضارات التي شكلت هويات وحضارات و لغات ضاربة في التاريخ بكل من إفريقيا وآسيا وأمريكا، محاها المستعمر الأوروبي وأوجد اللغات اللاتينية والهندو أوروبية محلها، فبدأت اللهجات واللغات الأصلية تموت شيئًا فشيئًا، ومع تزايد الطلب على اللغات المُستحدثة التي رسخها الإستعمار، والصعود الصاروخي لدول أوروبا إقتصاديًا وصناعيًا وفكريًا، هدد تواجد هذه اللغات والهويات حتى زالت وإنمحت تمامًا، حتى أننا اليوم بالكاد نستطيع التمييز بين البرتغالي والبرازيلي، أو السنغالي والفرنسي مثلاً! فقد فقدوا لغتهم وهوياتهم في سبيل التشبث بثقافة الآخر الأوروبي.

بزوال اللغة.. تزول الأمم

وبزوال اللغات واللهجات الأصلية، بدأت هذه الدول تفقد السيطرة على الثقافة والهوية بكل أنواعهما، سواء ثقافة الأكل أو اللباس أو غير ذلك، فالإنسان الأوروبي أضحى مثله مثل أي شخص في العالم، يزرع ثقافته عن طريق توريث اللغة وغرس جذورها، فباتت ضاربة أطنابها في كثير من الدول وقضت على العديد من الحضارات القديمة، فلا هوية لدول العالم بعد فترة ما بعد الإستعمار، كل تلك الهويات والثقافات باتت اليوم مكتوبة فقط في كتب التاريخ بين رفوف المكتبات.

وها نحن اليوم نستثني دول شمال أفريقيا القريبة من أوروبا، والتي تعرضت للغزو الإمبريالي مرات ومرات عبر الزمن وتعاقب الحضارات والأمم، وبالرغم من كل هذا ما تزال اللغة العربية، اللغة الأم واقفة تقاوم هذه الموجة الجديدة من الغزو اللغوي الأوروبي المفرنس من جديد.
إنه إستعمار فكري وثقافي جديد غير مباشر يهدف إلى طمس كل هويات هذه البلدان من حيث اللغة والهوية و الثقافة، فوُفرت السبل الكفيلة لذلك من معاهد ومناهج وكتب ودعم مادي، حتى يسهل هدم كل معالم وحضارة هذه الدول، والقضاء على لغتها الأم، وبعدها يبدأوا في محاولاتهم للقضاء على الدين الإسلامي الحنيف .

إن تمسك دول شمال أفريقيا بلغتها العربية (بالرغم من كل المحاولات التي تروج لها فرنسا ودول أوروبا)، مرده بالأساس الى تمسكهم بالدين الإسلامي، وبالقرآن الكريم الذي أنزل بلسان عربي مبين، لذلك فإن جلّ.. بل كل محاولات فرنسا وغيرها ممن تعاقبوا على إحتلال شمال افريفيا باءت بالفشل، وظلت اللغة العربية قائمة إلى اليوم تقاوم كل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.

اقرأ أيضًا: مجموعة كنوز تحت فئة كتاب

إن الدول الأوروبية وكغيرها من المستعمرين كان همها الوحيد الى جانب القضاء على والهوية الثقافية لمستعمراتها عبر العالم، وترسيخ لغاتها الأوروبية، مما سيسهل عليها إستعمار هذه البلدان بطريقة غير مباشرة ودون أي تدخل عسكري، وبشرعية أكثر واقعية وعقلانية، فالإنسان الفاقد للغته وهويته في حاجة ماسة إلى بديل، لقد فقدها منذ زمن الإمبريالية والحركات الإستعمارية التي أدخلت الصناعة والكتابة وساهمت في تغيير العالم.

وأمام هذه الظروف الجديدة التي رسختها دول الإمبريالية للأجيال الجديدة والقادمة، سيبقى مستقبل شبابنا مرتبطًا بهذا البديل الغربي، ولن يستطيع العودة الى الأصل أو تغييره، لقد إنصهر في ذوات اخر وبوثقته، لقد لبسوا (أو ألبسوا) حلة جديدة، وأُصيب شبابنا الحالي بنوع من الدوار، بل يمكن القول أنه تاه تيهًا عظيمًا وفقد كل شيء. فكلما فقدت هويتك ولغتك سهل على الآخر قيادتك، وهذا ما تسعى إلى ترسيخه كل من فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وغيرهم من الدول الغربية.

فرنسا كأنموذج في أفريقيا تحاول أنن تقدم نفسها على أنها النموذج الأنجح بالرغم من الانتحار الذي تعيشه لغويًا وثقافيًا وفكريًا وإقتصاديًا، لكنها ككل الغزات فهي لا تريد الإستسلام وتحاول بشتى الطرق ان ترسخ ثقافتها ولغتها، ولو كان ذلك عسكريًا إذا تطلب الأمر ذلك، مخافة أن تفقد مكانتها في القارة العذراء.
فكثير من هذه الدول الإفريقية المفرنَسة فقدت لغتها وهويتها، ولم تعد لها معالم إفريقيا التي قرأنا عنها في كتب التاريخ، الإنسان الأفريقي يدرس أبناءه الفرنسية وفي مدارس فرنسية، لباسه فرنسي، أغلب مقتنياته فرنسية، البرامج التي يتابعها عادة ما تكون مفرنسة أيضًا، يتحدث في بيته اللغة الفرنسية، بل وفي مدارس بعض الدول لم نعد نتحدث عن (لغة أم) بتاتًا كل ما يتم تدريسه فرنسي بالدرجة الأولى، والذي لا يجيد التحدث بالفرنسية لا قيمة له في المجتمع، لأن سياسة هذه البلدان وبرامجها خاضعة لفرنسا تماما.

إن فرنسا كغيرها من الدول الإمبريالية رسخت طبقة من المفرنسين الذين يدافعون بشراسة عن لغتها، في أوطان أفريقيا على وجه التحديد، لكي تظل باسطة سيطرتها على هذه الدول، فجلّ أصحاب المناصب الإدارية الكبرى في هذه البلدان من خريجي الجامعات الفرنسية، بل إن مناصبهم بتوصية فرنسية، لأنهم سيدافعون بكل بساطة على النموذج الثقافي الفرنسي وعن لغة فرنسا ومصالحها بهذه القارة.

إننا اليوم نعيش صراعا حقيقيا على مستوى اللغات والهويات ،فكلما تكلم الإنسان بلغة ما إلا وتشبع بثقافتها وأضحى بدون تفكير تابعا لها، يتحدث عنها وبها، وهذا الصراع سيقبر لغات أخرى ولن تبقى إلا اللغات القوية التي يمتلك أصحابها هوية وثقافة، وقدرة على الصمود، إننا بإختصار نعيش في عالم الصراعات القاتلة، البقاء فيه للاقوى.

وقبل أن نختم، أدعوك لقراءة التدوينة التالية: اصقل اللغة العربية لديك بخطوات بسيطة

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق