علوم وصحة

اللغة والعقل التوليدي

اللغة والعقل التوليدي .. تعود أقدم الآثار التي تدل على هجرة جماعات هومو Homo (الأنواع البشرية) خارج مهدهم في أفريقيا إلى ما يقرب من مليوني سنة خلت. ويعتقد العلماء أن جماعات الإنسان المنتصب القامة Homo Erectus كانت أول من خاض هذا الغمار.
اللغة والعقل التوليدي .. ترافق هذا الحدث مع تنامي حجم وتنظيم المخ، وذلك بالتوازي مع تحورات تشريحية أخرى.
فيما تطورت على صعيد تكنولوجيا الأدوات الثقافتان الحجريتان اللتان تسميان الألدوانية والآشولية. لكن “”لانفجار التطوري العظيم” انطلق منذ نحو 70 ألف سنة فقط، والذي عكس اختراع اللغة والنظام الرمزي في السجل الحفري البشري.
كرّس هذا الإنفجار هيمنة نوع بشري هو الأخير في سلالات طويلة، يطلق هذا النوع على نفسه تسمية: الإنسان العاقل Homo Sapiens. وما كان له ذلك لولا الكلام، لذا كان حريًا به أن يسمى: الإنسان الثرثار.
ترتبط هذه النظم الذهنية بقدرات عقلية يمثل اكتسابنا لها أعمق أسرارنا. ففي الوقت الذي ظلت فيه الأدوات الآشولية والالدوانية بطيئة التطوير، حسّن الإنسان الحديث من أدائه وإبداعه السلوكي بسرعة رهيبة. ويرى عالم الانثروبولوجيا التطورية الأمريكي إيان تاترسول أن هذه المعالجة العقلية تقوم على بنى بيولوجية أطلقها محرر ثقافي هو اللغة.
كيف لنا اكتساب اللغة والقدرات الرمزية؟ هناك عدة جوانب لتناول المسألة.
يمكن أن تعطينا طريقة تشغيلنا للأشياء الميكانيكية مفتاحًا من أجل فهم تطور اللغة. قدمت الباحثة باتريسيا غرينفيلد في ورقتها العلمية التي تسمى “اللغة، الأدوات، والدماغ” عرضًا لكيفية تزامن التمثيلات التراتبية للغة والتحكم اليدوي في الأشياء. فالأطفال يبدأون بربط الكلمات في عبارات، وتنسيقها في جمل، في نفس الوقت الذي يربطون به الأشياء التركيبية في لعبهم. ثم يطورون هذه الإدخالات من أجل إنتاج بنى متراتبة.
اللغة والعقل التوليدي .. تكشف الأبحاث في الفسيولوجيا العصبية عن تشارك كلتا الوظيفتين اللغوية واليدوية نفس المنطقة في المخ وهي منطقة بروكا Broca الواقعة في الجزء الأيسر من القشرة المخية. وترجع أقدم الإشارات التي تشي بانبثاق هذا الارتباط إلى أوائل أنواع الجنس هومو الذين عاشوا قبل نحو مليوني سنة في شرق إفريقيا.
إن قدرتنا على توليد عدد لا نهائي من البنى المختلفة، ترتبط بطريقة تنسيقنا للكلمات بغية تشكيل فقرات. في المستويات العليا من هذه التراتبية نحن نبني منازل، سيارات، طائرات، مدن، شبكات اتصال ومحطات فضاء وغيرها..
يبدو أن لدينا جهاز تجميع إبداعي يعمل على سياقات عدة من أجل إيجاد تنوع هائل يغمر عالمنا ويشكله. وتقوم أنشطته على قواعد تتمايز تبعا لتمايز الأنسجة في منطقة بروكا وحولها الفصوص الجبهية.
اللغة والعقل التوليدي .. إن هذه القدرة الخلاقة التي تولّد بنى لا نهائية أفسحت المجال لعقل أولي متخم على عتبة “الإنفجار التطوري” إلى عقل بشري “لا نهائي” بواسطة قانون فيزيائي، عقل صغير لكنه قوي ومتمكن، حجر أساس تمت إضافته عن طريق التطور البيولوجي للإنسان الذي أصبح عاقلًا.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى