مدونات

اللغة مهددة بالانقراض!!

إن الحديث عن التواصل في عصرنا الحالي لم يصبح حديثًا يقتصر على موضوع صغير بل هو موضوع غني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذلك بوجود طرق تواصل عديدة وكثيرة ولا تقتصر على اللغات فقط أو الرموز، ولا تنحصر في مجال زمني معين بل في كل وقت تتجدد وتبرز طرق جديدة للتواصل.

فمنذ الأزل بدأت البشرية باختراع طرق ورموز وإيحاءات تحمل في طياتها معاني معينة يستعملها البشر من أجل التواصل مع الآخرين، من بين هذه الرموز والايحاءات “اللغة”؛ وهي عبارة عن مجموعة من الكلمات الخاضعة لمجموعة من القواعد المتعارف عليها، والتي تختلف من زمن إلى آخر ومن حيز جغرافي إلى آخر، هذه الأخيرة التي تتسم بالغنى عند كل حضارة اجتماعية معينة.

ولكن للأسف جزء كبير من هذه اللغات مهدد بالانقراض، وهذا ما يجعل المنظمات العالمية مثل اليونسكو تدق ناقوس الخطر من أجل الوعي بهذا المشكل الذي من شأنه أن يضيع حضارات على مر العصور، وبالتالي تضيع معها أجزاء كبيرة من الثقافة البشرية، فكل لغة ليست مجرد كلمات وكلام بل تاريخ وثقافة ومعاني.

إن العولمة أصبحت هي المؤثر الأساسي في انقراض وتهديد اللغات بالانقراض؛ إذ أن هذه الأخيرة تعدّت المجالات الاقتصادية والتجارية لتصل إلى المجالات الفكرية والأدبية، وتسيطر الثقافات القوية على نظيرتها الضعيفة نظرًا لقوتها التجارية والاقتصادية، فهذا ما نرى اليوم، فالدول التي تكون قوية من حيث الاقتصاد تكون هي القوية كذلك من حيث الثقافة، وبذلك قوة اللغة رهينة بقوة الاقتصاد لدى أناسها.

من بين ما أصدرته العولمة إيجابيًا ويفترض أن يكون هو الفاعل الأساسي لتحفيز اللغة على الانتشار لتعم نطاقًا أوسع، إلا أن العكس هو الذي حصل؛ فبدلًا من أن تعمل التكنولوجيا على تطوير اللغات إلا أن مستعميلها بدأوا في إنتاج لغات تواصل جديدة من شأنها أن تقلص مجال توسع اللغات المتواجدة أصلًا. وإذا كانت هذه التكنولوجيا نقطة مشكلة، فهذا لا يعني أنها لن تكون الحل الأمثل لهذا المشكل العويص الذي يهدد حضارات مضت، سيحرم الأجيال القادمون من معرفتها. فدورها إذًا يتجلى في كونها -أي التكنولوجيا- أداة توصيل للغات. إننا لا ننكر أن وسائل التواصل الإجتماعي قامت بدور كبير وفعال في هذا الصدد حيث نرى أن معظم اللغات التي شارفت على الانقراض أصبحت الآن لغات تدافع عنها مجموعة من الجهات والفئات.

ويكفي فخرًا أن فئة المثقفين وفئة الشباب الذين يمثلون الفئات الأقوى في المجتمعات هم من يدافعون عن هذه اللغات، وهذا ما يجعل لها روحًا وحياة جديدة. إن انتشار اللغات على مدى أوسع في وسط الشبكة العنكبوتية لإحياء نفس جديد في عالم الثقافة والحضارات لهو أمر هام، ولكن التربية على مبادئ حب الثقافة والاستطلاع هو الأهم من ذلك حتى لا تكون الأجيال القادمة غير مهتمة بالحضارات الماضية مدعية أنها متحضرة، وإنما يجب أن تعي تمام الوعي أن ما تصنعه الحضارات الجديدة ما هو إلا بالاستفادة مما مضى، وهذا هو ما يهابه المفكرون حينما يدقون ناقوس الخطر بتهدد اللغات بالانقراض؛ لأن اللغة ليست مجرد كلام وإنما حضارة وثقافة وشعوب وحكم يجب الاستفادة منها.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق