ثقافة وفنون

اللسان واللغة

ورد اللسان ومشتقاته في كتاب الله خمس عشرة مرة، ومن المعلوم أن للمصحف أسماء عديدة، منها ” الذكر” والذكر كما فسره الدكتور محمد شحرور، هو الصيغة الصوتية للمصحف، وهو المتعبد بتلاوته، المنطوق الذي نطق به رسول الله، (وما ينطق عن الهوى) والذكر أيضا ضد النسيان (وما أنسانيه إلا الشيطان ان اذكره) وقال (اذكرني عند ربك) وجاءت بمعنى الوعي المستمر( لعلهم يتذكرون).

وهناك ألفاظ في المصحف مثل فواتح السور من الحروف المقطعة مثل: ألم أو يس ص وغيرها من الحروف. أليست عربية؟ فإن كانت عربية فما دلالتها وما المعنى الذي تشير إليه؟

والحقيقة أن ” يا سين” عبارة عن مقطع صوتي وهو موجود في كل لغات الأرض، واذا هي ليست لغة عربية وقوله ” كهيعص” وتقرأ: “كافهاياعينصاد” هذه مقاطع صوتية، والكلام الإنساني في كل العالم يتألف من مقاطع صوتية. وهذه ليست لغة عربية إنما هي مقاطع صوتية، وكل الكلام الإنساني مؤلف من مقاطع صوتية، وقد ورد في بعض الأحاديث عن النبي الكريم أنه قال: ” أوتيت جوامع الكلم ” والكلم هو الصوت المنطوق والكلام الذي يسمع بأي لغة من لغات الأرض.

والقرآن والأحكام عربية ولكن الذكر ليس بعربي، فمنذ اكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان لم يعرف العرب معاني فواتح السور، وقالوا هي من الأسرار التي استأثر الله بها علمه ولا يعرف معناها أحد إلا الله، فمثلا ” الم ” لا يعرف المسلمون معناها حتى يومنا هذا.

ولكن للدكتور محمد شحرور رأي مهم في المسألة، حيث قال أن الحقائق يعبر عنها بثلاثة طرق هي: الشكل التشكيلي، من خلال رسم الأشياء، أو عن طريق المعادلات الرياضية، أو عن طريق اللغة.

وقد عبر الله عن الحقائق من خلال:
1_ الكون المنظور
2_ الصيغة البلاغية
3_الصيغة الرياضية

والصيغة الرياضية لا تزال ضعيفة جدا عندنا نحن العرب في فهم حقائق الأمور خصوصا اسرار وحقائق القرآن الكريم. وحين تحدث القرآن عن الصيغة الرياضية ، قال سبحانه : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) وموضوع السبع المثاني موضوع كبير جدا ، فقد توصل شحرور إلى استنتاجات مهمة وعظيمة ، تقوم على صيغة رياضية ، وفي الحديث عن النبي الكريم : “أوتيت القرآن ومثله معه ” وهنا لا يقصد السنة وانما المقصود بحسب نص الآية هي السبع المثاني، وليس كما قالو انها الفاتحة أو بعض السور في المصحف.

وليس هذا بحثتنا، وانما نريد تسليط الضوء على الفرق بين اللسان واللغة ، وهل المقصود بعربية القرآن أنه عربي في كل شيء ، أم أنه عربي اللسان فقط ، ويمكن ان يكون فيه لغات أخرى. تعالوا بنا نحاول النظر الى الفرق بين اللغة واللسان ، علما أن اللغة لم تذكر في المصحف ، واللسان ذكر كما اسلفنا في مواضع عدة.

الفرق بين اللغة واللسان فرق كبير، كالفرق بين السماء والأرض، فاللغة تعلم وتدرس أما اللسان فلا يعلم ولا يدرس انما يكتسب بالتربية والعادة والعشرة. وكانت قريش ترسل أبنائها للبادية للرضاعة من أجل اكتساب اللسان وليس من أجل أن يتعلموا اللغة العربية، فهم أهل بلاغة وفصاحة، واللغة لم تكن تعجزهم، بل إن المقصد من ذلك كان اكتساب اللسان ، فعملت العرب على ابتكار أساليب مختلفة لتعزيز اللسان العربي، حيث عملت قريش على إنشاء ثلاثة أسواق للسان العربي ، وهي عكاظ وذي المجاز ومجنة، بغية جمع شتات اللسان العربي.

وحرص قريش على تعلم اللسان لما له من حكمة بالغة وذكاء ، وكان من عاداتهم ارسال الأطفال الرضع إلى البادية منذ ولادتهم حتى أربع سنوات ليدركوا اللسان العربي، عكس ما يحدث الآن من نشأة للأطفال على مدركات وعادات للسان العربي بطريقة مقلوبة وبعيدة كل البعد عن الصواب، فتنشأ عندنا مشكلة الغباء وقصور العقل عن ادراك الحقائق ، والوقوع في الحيرة التي تجعل الأمور تختلط على الانسان، ولا يعود يلقي بالا للفروق بين الأسماء ودلالاتها ، وهذا كان له اثر عظيم على البنية المعرفية للعقل العربي، والذي غرق في اللغة العربية وصار عاجزا عن الإبداع والتطور والتقدم بسبب الخلط الحاصل بين الدلالات اللغوية والمعرفية.

ونحن إذا نواجه هذه المعضلة الكبرى، المتمثلة في ضياع اللغة العربية ولسانها وما وصلنا إليه من نتائج من التطرف والعنف والتأخر الحضاري، واستنتاجات فقهية فأقمت من الوضع سوء، وجعلتنا نخسر مكانتنا بين الأمم، فإننا مطالبين بإيجاد حل جذري لمشكلة التعليم واللغة ودلالاتها والتفريق بين اللغة واللسان العربي، وإلغاء الترادف من كتاب الله، ونحن نشهد التطور المعرفي في العالم بهذا الشكل الهائل، وضياع اللسان العربي بين مواقع التواصل الاجتماعي والثورة العارمة في الاتصالات بين الأمم والشعوب، مما جعلنا نتخلف عن التطور المعرفي، بل وأصبحنا عرضة للاختراق والذوبان في ثقافات الآخرين.

والتأخر الواضح عن مواكبة شعوب الأرض، وتراكم المشكلات في مختلف مناحي الحياة مما يسبب لنا أزمة حضارية. لا بد من العمل هل وضع قاموس معاصر للغة العربية، يقوم على بيان الدلالات اللغوية ومنشأ الكلمات والألفاظ، وبيان المعاني بدقة متناهية ، واتباع مناهج جديدة في تعليم العربية لغة ولسانا، لأن العربية هي مفتاح القرآن، بعيدا عن الخلط المسمى بالترادف ، والتركيز على النظم أو السياق في إعطاء الكلمات المعنى المناسب بحسب نظمها، فقد تجلى في كتاب الله قوله تعالى ( فاذا قرآناه فاتبع قرآنه ) أي النظم.

واختيار كافة الوسائل المتاحة للمعرفة من خلال الشكل التشكيلي والذي يبدو علما قائما بذاته في كتاب الله من خلال الرسم القرآني، واللغة ولسانها، والرياضيات التي هي لغة أخرى اصيلة في كتاب الله.

Maher Assaf

مهتم بـ : اطلاق منهج البحث العلمي ، قراءة النص الحكيم قراءة معاصرة تلغي الترادف الفصل بين التنزيل الحكيم والتراث ، واعتماد المنهج التجريدي في التفكير
زر الذهاب إلى الأعلى