ثقافة وفنون

الكوميديا: الملهاة الضاكحة قدسها العالم وابتذلها العرب

الكوميديا لم تعد فنًا يثير الضحك فحسب، بل عالم كامل وصل بالبعض إلى حد تقديسه.

إن أي عمل إنساني لا يخلق تغييرًا إيجابيًا معينًا، لا نستطيع أن نسميه بالعمل الإنساني أو نصنفه ضمن صنف محدد، فالإنسان منذ أن وُجد على الكرة الأرضية، سعى في الأرض وراء التغيير الإيجابي الخلاق لمواجهة الطبيعة وظروف الحياة، ولم يبق مكتوف الأيدي يتفرج على صنع الطبيعة، لأنه علم أن الهلاك سيكون مصيره.

حول الإنسان الجبال إلى كهوف، وجلد الحيوانات إلى ملابس، وسخر الأرض للزراعة، وصنع الرماح للصيد، وأستطاع بذلك ترويض الطبيعة وسخرها له أفضل تسخير، ولم ينتظر قط المفاجآت، وما وصل إليه العالم اليوم من تقدم مرده بالأساس إلى تجارب الإنسان في العصر الحجري، فقام بتطوير ما كانت عليه الحياة في السابق مع إدخال تغييرات هامة في كثير من الأمر تماشيا مع تطور العلم والحياة البشرية.

بالفن حاربنا قسوة الطبيعة

والفن بكل أنواعه باعتباره واحدًا من الأجناس التي صنعها الإنسان عبر الزمن، ما هو إلا تعبير عن رغبته في التغيير، وعبر الفن يستطيع طائفة كبيرة من الفقراء والعمال والفلاحين نقل قضاياهم والتعريف بها، لأن الفن يجر وراءه ملايين الناس من المتابعين ومن مختلف الطبقات، فوجدت هذه الطبقة في الفن فرصة لتمرير رسائل معاناتها وظروفها المعيشية الصعبة، بالإضافة إلى قضايا الاستعباد والدكتاتورية التي تمارسها طبقة البورجوازية عليهم.

وقد توسع الفن الكوميدي الساخر بين العمال كنوع من الفنون التي يتهكمون بها على الطبقات الأخرى التي تستغلهم.

وانتشر هذا النوع بشكل كبير في دول أوروبا الشمالية، حيث تم إنشاء فرق مسرحية هزلية هدفها إثارة الحمية في نفوس العمال، وتقوم تلك المسرحيات على حث العمال على التخلص من العبودية ونظام الأقنان، وذلك لأن تلك الأنظمة جردت العمال من الإنسانية والحقوق التي يتمتع بها الآخرون ممن يعيشون بينهم، كرجال الدين والبورجوازية.

وقد خلقت هذه المجموعات الكوميدية التي اتخذت من المسرح مكانا لتقديم فرجتها، رجة وخلخلة بالأنظمة السياسية الأوروبية، تسببت تلك المجموعات إلى جانب الثورة التي قام بها الفلاحون في إنجلترا، في تغيير نظرة الحكام ورجال الدين إليهم.

وبعد سنوات من النضال والكفاح تتخلى دول أوروبا وغيرها على هذا النظام، لكن طبقة البروليتاريا لم تتخل يومًا عن التعريف بمعاناتها مع الأنظمة العالمية التي جاءت بعد عصرالأنوار وإلى اليوم.

الفن الكوميدي أداة الصراع مع السلطة

ظلت الكوميديا إحدى أهم الوسائل التي تستخدمها الطبقة الكادحة في الخطابات الموجهة إلى الحكومات، وتحديد موقفها من القضايا الساخنة التي يعيشها العالم، فنجد أن شخصية تشارلي تشابلن، ذلك الرجل الأمريكي القصير، ذو الأفلام الصامتة التي تابعها كل العالم، كان أكثر الناس سخرية من الفهرر الألماني أدولف هتلر.

وذلك من خلال طريقة لباسه وقصة الشارب والشعر. وهكذا استطاع أن يوجه الأنظار إليه من خلال دفاعه عن الطبقة العاملة وصراعه مع السلطة التي كان يتفوق عليها دائما بحنكته وذكاء فطنته، ليتحول تشابلن إلى شخصية قوية وأيقونة في قلوب هذه الطبقة.

ولم يكن تشارلي وحده الذي دافع عن العمال والمسحوقين من خلال مظاهر السخرية التي عمل على تقديمها بشكل مميز، إلا أنه يظل الأفضل على الإطلاق بالرغم من المحاولات التي قلده فيها الآخرون من بعده.

متى ظهرت الكوميديا؟

ويرجع تاريخ الكوميديا إلى الحضارة اليونانية الإغريقية وقد وظفت في مواضيع دينية وأثناء مواسم الحصاد والزرع، وكانت تقدم في البداية في الحقول وبين السهول، قبل أن تتحول إلى ساحة «الآغورا» الشهيرة.

وتعد أشهر مسرحية يونانية بعنوان «أريستوفان» نوع من التراجيديا الملحمية التي تعبر عن المآسي التي تعيشها بلاد الإغريق، ثم انتقلت إلى بريطانيا خلال القرن السادس عشر أيام حكم الملكة إليزابيث، وعرفت تطورًا سريعًا من خلال الأعمال الكوميدية التي قدمها الشاعر الإنجليزي وليام شيكسبير، كمسرحية «هامليت» وغيرها، وسار على الدرب نفسه الشاعر المسرحي موليير في فرنسا، وظهرت نماذج أخرى في إيطاليا وألمانيا.

ومع بداية القرن التاسع عشر، ظهر ما يسمى بـ«الكوميديا الساخرة» كفن مستقل له خصوصيته وجمهوره، وبدأت الكوميديا تفقد دورها في التعريف بقضايا المجتمع والعمال، على يد كل من «جيلدسميث» و«شريدان».

بعد انحسارها.. الكوميديا تهيمن على العالم

لكن الكوميديا لم تلق نجاحًا كبيرًا في ظل التحولات الكبرى التي عرفتها أوروبا صناعيًا من خلال الثورة الصناعية.

كانت تلك الأعمال تمس أخلاق الناس وسلوكاتهم، الأمر الذي جعل الكثير منهم يمتنعون عن حضور العروض والحفلات الكوميدية، وبدأت تسترجع الكوميديا بريقها نوعًا ما بعد سنوات من ظهورها وتطورت بشكل كبير حتى القرن العشرين.

وصلت ذروة الكوميديا، حينما هيمنت على المشهد العالمي، بعد الغزو الإمبريالي لدول العالم الثالث، وإدخال هذا النوع من الكوميديا قصد إلهاء الناس وصدهم عن المقاومة.

الكوميديا في الفن العربي: سخرية مبتذلة

مع مرور الزمن، أضحى هذا النوع لصيقًا بالدول العربية، ويتم عرضه في كل عام من شهر رمضان المبارك، وتقوم هذه الكوميديا التي وجدت ضالتها في الدول العربية تحديدًا على التهكم على الآخر والسخرية منه، فيقوم الفنان الكوميدي بلعب دور معين يتهكم فيه على أهل البادية أو منطقة معينة، فيظهر للمتلقي سذاجة الإنسان البدوي وبساطته في التعامل مع الحياة.

وعرفت هذه الظاهرة انتشارًا خلال الفترة الأخيرة، وأضحت تحقق نسب عالية من المشاهدة دون أن تكون أي رقابة من القطاع الوصي على الإعلام في التنبيه إلى تجاوز هذه الأمور التي تمس كيان جنس معين أو منطقة معينة.

تلك الحالة خلقت أكثر من مرة ضجة كبيرة على وسائل التواصل الإجتماعي حين يتم التهكم والسخرية من منطقة ما أو قرية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

تعليق واحد

  1. مقال رائع؛ أشاركك أن أعظم كوميدي مر في تاريخ الكوميديا الصامتة هو شارلي شابلان.
    كما نأسف لغياب أعمال كوميدية حرة واعية.
    مزيدا من العطاء صديقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق