أسلوب حياة
أحدث المقالات

الكوكايين الإلكتروني: الشاشات تحول أطفالنا لمدمنين

قالت لي نادية إنها اشترت جهاز iPad لابنها سمير البالغ من العمر 6 سنوات عندما كان في الصف الأول، عندها فكرت لماذا لا تسمح له بالقفز على الأشياء من حوله كأطفال جيلنا؟

وكانت مدرسة سمير قد بدأت في استخدام هذه الأجهزة مع جميع الطلبة في نفس عمر سمير، ومدرِّس التكنولوجيا قد دلل على فوائدها التعليمية، لذا أرادت نادية أن تفعل ما هو أفضل لابنها الذي أحب القراءة ولعب البيسبول.

بدأت بترك سمير يلعب الألعاب التعليمية المختلفة على جهاز iPad الخاص به، ولكن في نهاية المطاف اكتشف لعبة Minecraft  التي أكد لها مدرس التكنولوجيا أنها تمامًا مثل مكعبات Lego و لكن نسخة إلكترونية، تذكرت نادية كمّ المتعة التي كانت تتمتع بها عندما كانت طفلة تقوم بالبناء واللعب بالمكعبات البلاستيكية المتشابكة، سمحت نادية لابنها بلعب Minecraft طوال فترة الظهيرة و حتى المساء.

في البداية، كانت نادية سعيدة للغاية. بدا سمير مرتبطا باللعب الإبداعي أثناء استكشافه لعالم المكعبات في اللعبة، و لكنها لاحظت أن اللعبة لم تكن مثل مكعبات Lego التي تتذكرها، فهي لم يكن عليها قتل الحيوانات والعثور على معادن نادرة للبقاء على قيد الحياة والوصول إلى المستوى التالي مع لعبتها القديمة المحبوبة. ولكن يبدو أن سمير كان يحب اللعب، حتى أن المدرسة كانت تضم نادي Minecraft، لذا كيف يمكن أن تكون سيئة؟

ومع ذلك، لم تستطع نادية إنكار أنها كانت ترى تغيرات في سمير. بدأ يركّز أكثر فأكثر على لعبته الإلكترونية وفقد اهتمامه بالبيسبول والقراءة بينما يرفض القيام بأعماله الروتينية، و في بعض الأيام كان يستيقظ ويخبرها أنه يرى أشكال مكعبات Minecraft في أحلامه.

على الرغم من أن ذلك كان يقلقها، إلا أنها تعتقد أن ابنها مجرد يمتلك خيال نشط، وبينما استمر سلوكه في التدهور، حاولت أن تأخذ اللعبة بعيدا ولكن سمير أصيب بنوبات من الغضب، و كانت نوباته شديدة لدرجة أنها استسلمت، وما زالت تفسر لنفسها مرارًا وتكرارًا بأنها لعبة “تربوية”.

ثم في إحدى الليالي، أدركت أن شيئًا ما كان خطيراً للغاية، تكمل نادية حديثها “دخلت إلى غرفته للتحقق منه، كان من المفترض أن يكون نائم  ولكني إرتعبت مما رأيته.. ”

وجدته جالسًا في سريره يحدق بعينيه  إلى الفراغ أمامه مع وجود جهاز iPad المتوهج بجواره.

كان يبدو في غيبوبة ولكن عينيه لاتزال تحدق إلى الفراغ وكأنه في حالة تحول، كان على نادية أن تهز الصبي مراراً وتكراراً لتخرجه من هذه الحالة.

لم تستطع أن تفهم كيف أن طفلها الصغير الذي كان في يوم من الأيام يتمتع بالصحة والسعادة أصبح مدمناً على اللعبة لدرجة أنه أصيب بمثل هذه الحالة من التجمد أثناء استيقاظه.

هناك سبب في أن الآباء الأكثر حرصا من مضار التكنولوجيا على أبنائهم هم من العاملين في مجال التكنولوجيا و مصممو ومهندسو التقنيات التكنولوجية الحديثة.

كان ستيف جوبز مؤسس شركة “أبل” Apple أحد الوالدين الذين حرصوا على بقاء أطفاله بعيدا بشكل ما عن التكنولوجيا، كما يسجل التنفيذيون والمهندسون الفنيون في “سيليكون فالي” أطفالهم في مدارس “والدورف” المعروفة بخلوها من الوسائل التكنولوجية.

ذهب مؤسسا “غوغل” Google سيرغي برين ولاري بيج إلى مدارس مونتيسوري الغير التكنولوجية، كما فعل مؤسس “أمازون” Amazon  جيف بيزوس ومؤسس “ويكييديا” Wikipedia ​​جيمي ويلز.

كثير من الآباء يفهمون بشكل حدسي أن الشاشات المتوهجة في كل مكان لها تأثير سلبي على الأطفال، نرى نوبات الغضب العدوانية عندما يتم أخذ الأجهزة بعيدا، و على الجانب الإخر يفقد الأطفال إهتمامهم بالعالم الخارجي فور استعمالهم لهذه الأجهزة كعوامل إثارة مفرطة تفقدهم أي اهتمام بما هو حولهم، الأسوأ من ذلك أننا نرى الأطفال يشعرون بالملل، وغير مبالين، وغير مهتمين بأي شيئ عندما لا يستخدمون الهيروين الإلكتروني (أجهزتهم الإلكترونية)،

الأمر أسوأ مما نعتقد

نحن نعلم الآن أن أجهزة iPad والهواتف الذكية والإكس بوكس ​​هي نوع من أنواع المخدرات الرقمية، تظهر الأبحاث الحديثة عن التصوير الدماغي أنها تؤثر على القشرة الأمامية للدماغ – التي تتحكم في الوظائف التنفيذية، بما في ذلك التحكم في الانفعالات – بالطريقة نفسها التي يؤثر بها الكوكايين والهيروين على الانفعالات.

إن التكنولوجيا شديدة الإثارة لدرجة أنها ترفع مستويات الدوبامين – وهو مايعطي الإحساس بالسعادة والنشوة بنفس الطريقة التي يعمل بها الإدمان.

هذا التأثير الإدماني هو السبب وراء قيام الدكتور بيتر وايبرو، مدير علم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، بإطلاق اسم “الكوكايين الإلكتروني” على هذه الشاشات، والباحثون الصينيون يطلقون عليها “الهيروين الرقمي”. في الحقيقة، الدكتور أندرو دوان، رئيس أبحاث الإدمان في البنتاجون و البحرية الأمريكية – التي كانت تبحث عن إدمان ألعاب الفيديو – بإطلاق اسم المخدرات الرقمية على هذه الألعاب والشاشات.

هذا صحيح – يبدو دماغ ابنك في حالة لعبه ل Minecraft وكأنه دماغ تعيش على المخدرات.

لا عجب أن يكون لدينا وقتًا عصيبًا في إبعاد الأطفال عن شاشاتهم وملاحظة التغييرات على أطفالنا عندما يتوقف وقت الشاشة، بالإضافة إلى ذلك، تظهر المئات من الدراسات السريرية أن الشاشات تزيد من الاكتئاب والقلق و الإنفعالات العدوانية ويمكن أن تؤدي إلى حالة تشبه الذهان حيث يفقد لاعب الفيديو الإحساس بالواقع.

عندما يتعلق الأمر بإدمان التكنولوجيا، بمجرد أن يتجاوز الطفل خط الإدمان على التكنولوجيا، يكون العلاج صعباً للغاية. في الواقع أنه من الأسهل علاج إدمان الهيروين.

ووفقًا لبيان 2013 الصادر عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، فإن الأطفال من 8 إلى 10 أعوام يقضون 8 ساعات يوميًا مع وسائل الإعلام الرقمية المختلفة بينما يقضي المراهقون 11 ساعة أمام الشاشات.

واحد من كل ثلاثة أطفال يستخدمون الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية قبل أن يتمكنوا من التحدث، و في الوقت نفسه يذكر كُتَيِّب “إدمان الإنترنت” من قبل الدكتور كيمبرلي يونغ على أن 18٪ من مستخدمي الإنترنت في الكلية في الولايات المتحدة يعانون من إدمان التكنولوجيا.

عندما يعبر الشخص خط الإدمان سواء رقمي أو غير ذلك – يحتاج إلى التخلص من السموم قبل البدء في أي نوع من العلاج، وهذا يعني التخلص الكامل من السموم الرقمية – لا أجهزة كمبيوتر، لا هواتف الذكية، ولا أجهزة لوحية، وفي بعض الحالات المتطرفة يتم الاستغناء حتى عن التلفزيون.

الوقت المحدد عادة للجهاز العصبي حتى يستطيع إعادة ضبط نفسه من الوقت هو من أربعة إلى ستة أسابيع.. ولكن هذه ليست مهمة سهلة في مجتمعنا المليء بالتكنولوجيا حاليًا حيث توجد الشاشات في كل مكان. يمكن للشخص أن يعيش بدون مخدرات أو كحول ولكن مع إدمان التكنولوجيا، الإغراءات الرقمية في كل مكان.

كيف نحافظ على أطفالنا من عبور هذا الخط

إنها ليست بالمهمة السهلة.

المفتاح هو منع أطفالك في عمر 4 أو 5 أو حتى 8 سنوات من الحصول على مخدرات إلكترونية و أجهزة ذات شاشات.

هذا يعني شراء مكعبات Lego بدلاً من Minecraft، والكتب بدلا من أجهزة iPad، الطبيعة والرياضة بدلا من التلفزيون.

إذا كنت مضطرًا لذلك، اطلب من مدرسة طفلك عدم إعطائهم جهازًا لوحيًا أو جهاز Chromebook حتى يبلغ عمرهم 10 أعوام (يوصي آخرون حتى يبلغ عمرهم 12 عاما).

قم بإجراء مناقشات صادقة مع طفلك حول سبب منع الوصول إلى الشاشة، تناول العشاء مع أطفالك دون أي أجهزة إلكترونية على الطاولة، مثلما كان ستيف جوبز يستخدم وجبات عشاء خالية من التكنولوجيا مع أطفاله ولا تقع ضحية “متلازمة تشتت الوالدين” – كما نعلم من نظرية التعلم الاجتماعي، “القرد يرى، القرد يفعل ما يراه”.

عندما أتحدث مع أولاد يبلغون من العمر 9 سنوات وأقوم بعمل محادثات صادقة معهم حول سبب عدم رغبتنا في امتلاك أجهزة لوحية أو ممارسة ألعاب الفيديو، أشرح لهم أن بعض الأطفال يحبون اللعب بأجهزتهم إلى حد كبير لدرجة تجعل لديهم صعوبة في التوقف أو التحكم في مقدار اللعب.

لقد ساعدتهم على فهم أنه إذا ما انشغلوا بالشاشات و Minecraft مثل بعض أصدقائهم، فإن أجزاءً أخرى من حياتهم قد تعاني، فقد لا يرغبون في لعب البيسبول، ولا يقرؤون الكتب في كثير من الأحيان ويكونوا أقل اهتماما بمشروعات العلوم والطبيعة؛ يصبحوا أكثر انفصالاً عن أصدقائهم في العالم الحقيقي. ومن المثير للدهشة، أنهم لا يحتاجون إلى الكثير من الإقناع نظرًا لأنهم شاهدوا التغييرات المباشرة التي مر بها بعض أصدقائهم الصغار نتيجة لوقت الشاشة المفرط.

يدرك علماء النفس التنموي أن التطور الصحي للأطفال ينطوي على تفاعل اجتماعي ولعب خيالي مبدع والتفاعل مع العالم الحقيقي الطبيعي، لسوء الحظ، العالم الغامر من الشاشات يثبط ويعوق تلك العمليات التنموية.

ونحن نعلم أيضا أن الأطفال هم أكثر عرضة للهروب إلى الإدمان إذا كانوا يشعرون بأنهم وحدهم، مغتربين، بلا هدف و عالمهم مليئ بالملل.

وبالتالي، غالباً ما يكون الحل هو مساعدة الأطفال على التواصل مع تجارب الحياة الحقيقية ذات المغزى وعلاقات اللحم والدم، الطفل المرتبط بالأنشطة الإبداعية ومرتبط بأسرته أقل فرارا إلى عالم الخيال الرقمي. ومع ذلك، حتى إذا كان الطفل يتمتع بأفضل الدعم وأكثر المحبة، فقد يقع في Matrix بمجرد أن يتعامل مع شاشات المنومة ويختبر تأثير الإدمان. بعد كل شيء، حوالي واحد من كل عشرة أشخاص ميالا نحو الميول الإدمانية.

في النهاية، أزلت موكلي نادية الجهاز اللوحي الخاص بسمير، ولكن التعافي كان معركة شاقة مع العديد من المطبات والنكسات على طول الطريق.

بعد أربع سنوات، وبعد الكثير من الدعم والتعزيز، يتصرف سمير بشكل أفضل اليوم. لقد تعلم كيف يستخدم حاسوبًا مكتبيًا بطريقة أكثر صحة، وقد حصل على بعض التوازن في حياته: فهو يلعب في فريق البيسبول ولديه العديد من الأصدقاء المقربين في مدرسته الإعدادية. لكن والدته لا تزال متيقظة وتظل قوة إيجابية واستباقية مع استخدامه التقني لأنه، كما هو الحال مع أي إدمان، يمكن أن يحدث الانتكاس في لحظات الضعف. إن التأكد من أن لديه منافذ صحية، ولا يوجد حاسوب في غرفة نومه وعشاء ليلي بدون تقنية على مائدة العشاء كلها جزء من الحل.

المصدر
New York Post

22عربي

https://22arabi.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى