سياسة وتاريخ

إقليم كوردستان والمتغيرات السياسية في المنطقة

جميعنا يتذكر التغيرات السياسية التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط خاصة والعراق عامة، بعد دخول تنظيم داعش الإرهابي لثلثي المناطق العراقية بأقل من أسبوع.

وجميعنا يذكر ذلك الانهيار في المؤسسة الأمنية العراقية، والضغوطات الهائلة التي واجهت إقليم كوردستان بعد أن تصدر المشهد الدفاعي وحده خاصة في الأشهر الأولى.

والسؤال هنا، هل إقليم كوردستان آمن في ظل الضعف والتشتت السياسي والعسكري ضمن العراق؟

إذا ما أردنا الإجابة عن هذا السؤال علينا أولاً أن نحلل حالة التفكك والعجز وتبديد الإمكانيات في دولة هائلة الإمكانيات كالعراق، إضافة إلى عدم قدرة السياسة العراقية صد التدخلات الدولية في تفاصيلها السياسية.

كذلك غياب الدور القيادي والذي نجم عنه تنامي الطائفية والعرقية الدينية، وبروز الطائفة السياسية كمرتكز أساسي للأمن العراقي، إلى جانب غياب المرجعية السياسية واستبدالها بمرجعية دينية وعشائرية ومناطقية، فانشغال الحكومة العراقية الجديدة بمشاكلها الداخلية التي لم ولن تنتهي جعلها بحجم صغير وضعيف أمام التحديات الاقتصادية الجديدة.

فاليوم تعتبر منظومة التفاعلات في الشرق أكثر مرونة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كل أنماط التفاعلات السياسية المتغيرة في العراق ككل، والتنبؤ بمستقبل إقليم كوردستان فيما إذا بقي مرتبطاً ومعلقاً بالجسد المريض.

فمعظم الدول أصبحت اليوم أكثر براجماتية في إدارة علاقاتها الخارجية، خاصة الدول التي تمثل مصدر تهديد لها، حيث أصبحنا نرى سياسات جديدة متخلية عن مبدأ أو مفهوم “إما معنا أو ضدنا” لصالح استراتيجيات تقوم على فكرة التوافق والتحالف المرن المرتبط بقضايا محددة، ومثل هذا التطور يجعل الحديث عن انقسام المنطقة إلى محاور متوافقة أكثر قرباً إلى الواقع.

وإذا ما أردنا رصد السيناريوهات المستقبلية لانقسام المحاور السياسية، سنرى أن حالة الانسحاب الأمريكي من المنطقة ستجعل الشرق يدخل ضمن عدة صراعات قد تؤثر سلباً على استقرار العراق أمنياً، فالعراق لا يمتلك القدرة على إقامة نظام أمني بديل، ولا ننسى أن العراق خلال الفترة الماضية صار بؤرة لحركة التنظيمات الإرهابية التي قد تعود وتسيطر على الأرض من جديد.

وهذا الأمر يدعمه قول “ستيفن والت” الذي طرح استراتيجية التوازن الإقليمي من خلال اعتماد دول الشرق على بعضها البعض بشكل تكاملي وليس تنافري، مع تقسيم بؤر التوتر الأمني القائمة على أسس طائفية وعرقية، فالعراق اليوم صار مُثقلاً بأزماته السياسية والاقتصادية، والتي بدورها بدأت تُرهق الإقليم بشكل غير مباشر.

وتصورات التقسيم لربما هي الحل الجذري والنهائي، خاصة في دول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، فهذه الدول صار لها عشرات السنوات تتصارع وتتقاتل فاقدة قدراتها العسكرية والأمنية والاقتصادية دون أي حل جذري.

فالمعارض العراقي مثله كمثل المعارض السوري أو الليبي أو اليمني، لن يضع يده بيد جلاده، ومن هنا نرى أن شرخاً كبيراً نشأ اليوم بين الجهات السياسية المتفرقة في وحدتها السياسية.

فالحفاظ على النظام الأمني الحالي في المنطقة يحتاج حقيقة لإعادة النظر في مناطقية الأقاليم والمناطق المتصارعة مع النُظم السياسية المختلفة، وإلا فإن غياب النظام الأمني الذي نراه ليس إلا الأرض الخصبة لعودة الإرهاب بصور جديدة أكثر تطوراً.

وللحفاظ على نظام إقليم كوردستان الأمني، يجب النظر بعين حقيقية لمستقبل الأمن في الشرق عامة والعراق خاصة، والبدء بصناعة التدابير التي تقينا من حروب دموية يدفعها أبناؤنا دون مقابل حقيقي لوطن متكامل.

خلاصة القول يجب علينا ككورد أن نستعرض اليوم السيناريوهات القديمة بشكل تفصيلي ودقيق، وأن نعرف مكامن الضعف وآلية مواجهة التهديدات الأمنية التي قد تواجهنا، وأن تكون لنا القدرة على بناء التحالفات الثنائية الأقرب لصناعة قوة أمنية تحمينا، بدل أن نستهلك قوتنا في مواطن قد تُضعفنا دون جدوى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق