مدونات

«الكوتي» طاهي السعادة وساحر القلوب

وبادئ ذي بدء، أحب أن أوضح أنني لم أكن يوماً من المغرمين بالحديث عن فن الطهي ولا عن الأكل ولا كيف يُجهّز، ولكن الحياة لا تسير على نمط واحد فالقوانين التي تتسم بالثبات قد تتحول في يومٍ إلى متغيرة بعيد كل البعد عن السابق.

ومنذ أن وطأت قدمي مقر عملي الجديد، وأنا أرى نمطاً في فن الطهي مختلفاً ومتميزاً، وكانت رحلة تحولي هي دخولي مطعم الشركة لتصطدم أنفي برائحة ذكية قلبت رأسي على عقب؛ ولا أجد وصفاً لهذه الحالة التي مرت بي عند دخولي لأول مرة بالمطعم إلا أبيات “الأنبوطي” في الألفية الخاصة به والتي نظمها على ألفية ابن مالك:

طعامنا الضاني لذيذ للنهم.. لحماً وسمناً ثم خبزاً فالتقـم

فإنها نفيسة والأكل عَـــم.. مطاعماً إلى سناها القلب أم

فرائحة الطعام تشبه السحر الذي يخطف قبلك وعقلك في آن واحد ويجعلك تسبح في بحور الخيال، فكما قالوا “العين تأكل قبل الفم”، فإنني أقول “الأنف هي من تسلب إرادته قبل عينك وفمك”، ففي حب الطعام أُلّفت الكتب ونُظّمت الأشعار، ومن أشهر مَن ألّف ونظّم حول هذا الموضوع، هو موسى الدهمراوي، والمتوفى في عام 1000 هجري، وهو صاحب الكتاب الأشهر في وصف الطعام وهو كتاب “نزهة القلوب في لذة المأكول والمشروب”، حيث قدم وصفًا لمعظم آكلات عصره، وقد جاء كتابه في عشرة فصول وأشهر ما نظمه في وصف الطعام:

وباكر إلى لحم سمين وجـــــرة.. إلى أن يصير اللحم والدهن كالسلا

وخذ ورق النعناع واترك عروقه.. واخلط عليها الآن إن شئت فلفــــــلا

واجعل على هذه الحوائج قرفة.. بها زرود يا أخي وقرنفــــــــــــــــــلا 

ومن هذا المنطلق، بدأت رحلتي مع “الكوتي” كنت أمر بجانب مطعم الشركة كل يوم مرور الكرام، حتى تصادف مروري برحلة الكوتي لإعداد الكبدة؛ وتبدأ الرحلة بتقطيع الفصل إلى شرائح صغيرة ممزوجة بالفلفل الأخضر وتُترَك على النار حتى يمتزج الاثنين مع بعضهما البعض. ويكفي أن تعلم يا صديقي أن هذا المزيج بمجرد أن يوضع على النار وتخرج رائحته الممزوجة بخلطة “الكوتي” السرية، فإن القلوب تُسحر ولا تترك مكانها حتى توضع شرائح الكبدة وتختلط مع المزيج، لتجد نفسك تذهب بلا إرادة إلى طبق الكبدة لتعيش في مدينة الأحلام داخل بنات أفكارك.

وإنني أستطيع القول، إن الطاهي “أحمد الكوتي” شيف شركتنا، هو مَن غيّر نظرتي إلى فن الطهي ومفهوم الأكل؛ فمنذ أن ساقتنا الأقدار إليه ولا يمر يوم إلا وذهبنا إليه؛ فطعامه هو “الأفيونية” التي تسكن جراحنا وتهدئ من روعنا، وإنني أدين بالفضل إلى “الكوتي” في جعلي واحداً من عشاق الاهتمام بتفاصيل إعداد الأكل، فإن سعادتي تكمن في رؤيته وهو يعد الطعام وكأنه يعزف مقطوعة موسيقية، وكنت أظن أنني الوحيد ممن وقع أسيراً في مطبخ “الكوتي”؛ حتى رأيت صديقي أحمد سعيد لطفي، يشاركني اهتمامي ويصبح أسيراً هو الأخر في مطبخ الكوتي.

اقرأ أيضًا: كواليس فيديو البائعة “أم محمد” الذي دفع تركي آل الشيخ إلى التفاعل: “هذه نخوتنا”

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق