مدونات

الكواكب والفلك بعين الإنسان نافذة للمستقبل

اكتشف القدماء في حضارات عديدة آلة كونية مكونة من الكواكب، اهتدوا بها في سفرهم عبر القارات، فنظروا إلى السماء ونجومها، فسهلت ذهابهم وعودتهم إلى أوطانهم بأمان، وهذا يسمى علم الفلك astronomy، ولكن الذين اهتدوا بالكواكب في مسيرهم المكاني، أضافوا للنجوم قدرة من نوع آخر؛ ليهتدوا في مسيرهم الزماني ومعرفة ما يخبئ لهم المستقبل، حتى يصلوا إلى رغباتهم العديدة بأمان، وهذا يسمى التنجيم astrology.

إذن فكرة الأمان في صلب ما نريد أن نشرحه حول علاقة الكواكب بمصير الإنسان، وقد ولد الإنسان في الجنة لا يعتريه القلق من مرض أو برد، ولا أسئلة وجودية حول مصيره، وكذلك كان في جنة الرحم هانئًا من منغصات الحياة، إلى أن ولد باكيًا شاكيًا يطلب الطعام والنظافة والحنان.

أسئلة غيبية:

وحالما يتفتح الطفل على الحياة يسأل، من أين أتيت؟ ولماذا أنا هنا؟ وقد يجيبه الوالدان بشكل جيد أو خاطئ بنسب متفاوتة، هذا إن لم يُقمعا أسئلته المشروعة، وهذه الأسئلة المتعلقة بالماضي محلولة نوعا ما، ولكن الأسئلة المتعلقة بالمستقبل تبقى محيرة في مجالات عديدة، منها: النجاح الدراسي، والمالي، والعاطفي، والاجتماعي، وغيرها من مجالات الحياة اليومية، فيشكل له علم الغيب لغزًا يتطلب حلولاً ملحة.

وبمحاولة معرفة الغيب، يلقي المؤمن بالتنجيم بعضًا من قلقه على المنجم فيريحه قليلا، ويرهن سعادته وأمنه اليومي لدى المنجم، فيرمي على أمله بالنجاح ضربة رمل هنا أو بقعة قهوة هناك.

آثار سلبية:

والنتيجة وسواس يومي وسلوك قهري يلبس ثوب التسلية والضحك والحشرية أحيانًا، ولكن المتابعة الجدية وقبول التنبؤات تصل إلى 29%، وكلها تتعلق بسياسة إعلامية استهلاكية تجذب الأموال والمتابعين.

ويعاني ما يعانيه المؤمن بالكواكب من اكتئاب وإحباط أو قلق على اختلاف مستوياتهم العلمية، فلا فرق بين من يعرف القراءة والكتابة، ومن لديه شهادات عليا ومناصب في الدولة، فضعف الإرادة وضبابية معنى الحياة لديهم تتعلق بآخرين يحكمون حياتهم، ويسلبون منهم الفكر، والوقت، والمال والراحة، فهم في ترقب دائم ومنتظم للنبوءة، وللأحداث التي تليها، مما يسبب نوبات الغضب وانفعالات سلبية.

لماذا تحققت النبوءة:

عندما تسأل أحدهم يقول لك “أنا أؤمن بالكواكب ويتحقق كثير مما يقولونه لي” هذه العبارة تتزين لمن لا يرى إلا ما يتحقق مهما كان قليلا في المجال الذي يهمه، ويتغاضى عن المجالات والإخفاقات الأخرى، فمن همه المال لا ينظر إلى نبوءات العاطفة، ومن تهتم بأمور زواجها لا تنظر لنبوءات الدراسة، وهذا ما يسميه العلماء بالانحياز التوكيدي الذي ينتج عنه التعصب للأفكار والأشخاص.

عادة ما يتابع المؤمن بالكواكب جريدة معينة أو موقعًا معينًا أو منجمًا خاصًا، يراه من خلال كاريزما جاذبة للانتباه، ويكون لديه معتقد قوي به، وثقة عمياء، تجعله يقبل الإيحاء منه، فيصبح ما يقوله صحيحًا حتى إنه ينفذ ما يقوله لتتحول النبوءة إلى حقيقة لا جدال فيها.

العلاج والوقاية:

وعلى الرغم من التحريم الديني للتنجيم، إلا أنه منتشر بكثرة، ولذلك السؤال المشروع هو، ما العلاج لظاهرة التنجيم؟ العلاج العام يتعلق بالسياسة الإعلامية، أي بمنع البرامج المتعلقة بالتنجيم والشعوذات وما أشبه ذلك، أما الوقاية وهي الأهم، فتكون من خلال البرامج التربوية في المدارس، التي تشمل تنمية مهارات الحياة، لا سيما حلول المشكلات واتخاذ القرار، وكذلك تعليم التفاؤل والأمل والثقة بالنفس، وهي أمور ليست فلسفية بل هي تطبيقات يمكن تعلمها ضمن برامج التربية الإيجابية.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مهند سراج

اختصاصي في علم النفس العيادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق