علوم وصحة

“الكوادر الطبية”: الجيش الأبيض في حرب كورونا

بينما يعيش الملايين من الناس تحت وطأة الإجراءات الحكومية في شتى بقاع الأرض من الحظر المنزلي والحجر الصحي المعتمد للحد من خطر مواجهة فيروس كورونا، نجد أن هناك جيشا عظيما من الأيدي البيضاء والقلوب البيضاء وهم الذين يُعرفون بالجيش الأبيض من الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الصحي والطبي، من المدراء حتى الأذنة في المستشفيات والعيادات التابعة لوزارة الصحة والخدمات الطبية ولجنة الطوارئ المركزي.

فنجد هؤلاء الأبطال يخوضون حربًا بلا هوادة مع عدو العصر الحديث؛ مع فيروس كورونا الذي يصيب ويقتل كل من تعرض له، وهم يبذلون قصارى جهدهم أيامًا طويلة في مواجهة هذا الفيروس؛ ليقفوا مواقف مشرفة، ويَتحدّوا هذا الوباء، ويخففوا عن المصابين برعايتهم والوقوف إلى جانبهم في مصابهم، فيحرمون أنفسهم من ملذات الحياة الخارجية، كمقابلة أهلهم وذويهم، ويمكثون في الحجر الصحي لأيام طويلة مع المرضى، يُحرمون من الراحة والنوم، هذا بالإضافة إلى حُزنهم وهمهم على من يموتوم بين أيديهم من هذا القاتل الخطير.

إن لهؤلاء الأبطال قصصا كثيرة تُدمي القلب، ولكننا في هذا المقال لسنا بصدد الحديث عن بطولاتهم وأعمالهم المشرفة، ولكننا سنتحدث عن مأساتهم التي يعيشونها في ظل مقاومة فيروس كورونا والوقوف بتحدي أمام انتشاره والحفاظ على حياة المصابين.

ولقد أظهرت التقارير الدولية أن الكثير من هؤلاء الأبطال يتعرضون إلى الإصابة بالفيروس بسبب تواجدهم والتصاقهم بالعمل مع المصابين، وسنذكر منها ما قالت ماريا خوسيه سييرا المسؤولة بمركز الطوارئ الصحية في إسبانيا في مؤتمر صحفي الاثنين؛ أن نحو 19400 من الطواقم الطبية العاملة في جهود مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) أصيبت بالمرض، وهو ما يمثل حوالي 15% من إجمالي عدد الإصابات في العالم.

كما الحال في إيطاليا فقد أصيب حوالي 1,700 عامل صحي، ما يشكّل 8% من إجمالي الحالات، وذلك في إطار سعيهم الدؤوب لمعالجة الأعداد المتزايدة من المرضى المصابين بمضاعفات شديدة، والذين يحتاجون المكوث في المستشفى لوقت طويل ويتطلّبون عناية مركّزة ومتخصّصة.

وحسب تقرير بي.بي.سي اللندنية؛ كانت الصين البؤرة الأولى التي انطلق منها الوباء، قد أعلنت في 14 فبراير الماضي حصيلة رسمية بلغت ست وفيات بين الأطباء، أما الفلبين فقد شهدت وفاة تسعة أطباء متأثرين بالفيروس، وفي إيران أشارت تقديرات رسمية إلى أن الفيروس قتل 37 طبيباً وممرضاً على الأقل، منذ الإعلان رسمياً عن ظهوره في البلاد 19 فبراير/ شباط الماضي.

ويدل هذا التقرير من (بي.بي.سي. وسي.إن.إن) أن الإجراءات الوقاية لهؤلاء الأبطال غير كافية، أو هناك استهتار طبي في التعامل مع المصابين، ولقد فاجأتنا بعض التقارير من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أظهرت بيانات جديدة للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن نصف المصابين بفيروس كورونا هم من الجيش الأبيض أي من مقدمي الرعاية الطبية، ومن خلال التعامل مع المصابين أو من الاختلاط بزملائهم المصابين تم إصابتهم بالفيروس، وأيضاً مع عدم إمكانية توفير المستلزمات المطلوبة للحماية.

ورغم ما يعانيه هؤلاء الأبطال خلال عملهم مع المصابين، والحالة النفسية التي يعيشونها، إلا أنهم  يتفانون في عملهم ويقدمون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتتوقع المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ظهور المزيد من حالات الإصابة بفيروس كورونا بين الطواقم الطبية، مع تزايد انتشار فيروس كورونا في البلاد.

ومن خلال البيان الصحفي لمنظمة أطباء بلا حدود في 19 مارس/آذار 2020، طالبت فيه المجتمع الدولي لحماية الطواقم الطبية من خطر الإصابة بفيروس كورونا قالت فيه: “مع التزايد السريع لعدد المصابين بفيروس كوفيد-19 في أوروبا التي أصبحت بؤرة تفشي الوباء، تواجه طواقم الرعاية الصحية نقصاً كبيراً في معدات الوقاية الشخصية، لذا تتعرّض حياة العاملين في هذا المجال لخطر الإصابة بفيروس كوفيد-19، ما يزيد من الضغط على النظام الصحي واستجابة مكافحة تفشي الفيروس، تحثّ منظّمة أطباء بلا حدود على المزيد من التعاضد والتآزر بين الدول الأوروبية الأعضاء، عبر توفير الإمدادات الطبية اللازمة لمكافحة الفيروس ورعاية المرضى”.

وبسبب التزايد المستمر وانتشار فيروس كورونا في دول أوروبا بنسب مختلفة، من الملاحظ عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم المساعدة أو توفير اللازم للطواقم الطبية، نجد أن بعض الدول الغير أعضاء في الاتحاد الأوروبي وخاصة الصين وروسيا ودول أخرى من آسيا هي التي تبادر بطواقمها المدربة وإمكانياتها الطبية من تقديم المساعدة للدول الأوربية المصابة، مثل إيطاليا وإسبانيا وغيرها، كما قدمت بعض الدول العربية وعلى رأسها جمهورية مصر العربية وقطر والإمارات المساعدة الطبية لبعض الدول الأوروبية.

ولقد أوضح المرصد الأورومتوسطي -ومقره جنيف- أنه في الوقت الذي تتولى فيه الطواقم الطبية في أرجاء العالم خط المواجهة الأول ضد جائحة كورونا وخطرها ضد البشرية، يتم رصد تقارير مؤسفة عن ظروف عمل غير مناسبة، وافتقاد مستلزمات الوقاية لهذه الطواقم، وأضاف التقرير أنه يجب أيضًا إعطائهم الأولوية في الفحوص الخاصة بالكشف عن فيروس كورونا، وأن يتم تزويدهم بمعدات الوقاية الشخصية الملائمة، وتدريبهم على استخدامها، وحثهم على عدم العمل إذا شعروا بأي أعراض مرضية.

وعلى السلطات والحكومات المختلفة توفير أدوات الوقاية والحماية المناسبة، وتحسين ظروف العمل والحجر الصحي للطواقم الطبية خاصة تلك العاملة في مواجهة جائحة فيروس كورونا، وتزويد الطواقم بالتدريب المناسب على مكافحة العدوى.

وفي حال عدم توفير الكميات اللازمة من الإمكانيات الطبية للوقاية والعلاج للطواقم الطبية؛ سيُصاب المزيد من العاملين في مجال الرعاية الصحية بالفيروس، وهذا سيؤدي إلي نتائج كارثية على باقي المرضى والمصابين، وأيضاً سيؤدي إلى إضعاف القوة العاملة في مواجهة الكارثة الخطيرة.

كل هذا ونحن نتكلم عن الاتحاد الأوروبي والدول الغربية المتقدمة والغنية، فكيف إذا ما تكلمنا عن الفقر والضعف في الدول العربية؟ ما عدا دول الخليج حيث أن وضعها المادي يساعد في تطوير البنية الطبية في مستشفياتها ومراكزها، فمعظم الدول العربية تعاني من نقص المعدات الطبية والإمكانيات التي تساعدها في الوقوف أمام انتشار وباء فيروس كورونا، ولكن نقول (ربنا يستر).

فعدد الإصابات في الدول العربية أقل بكثير من باقي الدول، وأيضاً عدد المصابين من الكوادر الطبية أقل بكثير، ولكننا نناشد الحكومات في المنطقة العربية بالاهتمام بمصير الطواقم الطبية العاملة في الميدان وإعطائهم الاهتمام في معركتهم ضد انتشار الوباء، وعلى الحكومات أن تقدم لهم ولذويهم المساعدة العاجلة وكل احتياجات الوقاية الطبية اللازمة في عملهم؛ ليبقى الصمود أمام انتشار هذا الفيروس هو عنوان المرحلة.

ولكل حرب رجال، ورجال هذه المعركة هم الجيش الأبيض من الكوادر الطبية، فتحية إكبار للجنود الأوفياء وتعظيم سلام.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫6 تعليقات

  1. مقال رائع .. اجملت وابدعت حفظ الله الكوادر الطبية والخدمات الطبية وأبناء شعبنا من كل سوء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق