سياسة وتاريخ

الكموج، والثقفوت وحضرة الإمام

الكموج

يروى في إحدى نوادر التاريخ العربي الخالدة أن طالب علم من رواد حلقات الإمام الإشبيلي – رحمه الله – تقدم إليه في إحدى المجالس بعد أن أنهى الدرس فسـأله مباغتا إياه: “ما الكموج؟…” ولعل هذه المباغتة لم تكن سوى محاولة لإفحام الشيخ مع سابق الإصرار والترصد فإذ بالعالم الوقور يتلجلج ويهتز ويفور كأنه تنور نوح عليه السلام، فاتسعت مقلتاه ودارتا في محجريهما عدة دورات قبل أن يسمع الجميع حشرجة تخرج من أعمق أعماق صدره خارت لها قواه وزُلزلت لوقعتها جانحته فأجاب مقتضبا بما تبقى له من سكينة:” أين قرأتها؟..”

وهنا، أطلق صويحبنا زفرة طويلة ملؤها التعجرف والتعالي فأرخى عنقه على عاتقه ثم قال مستندا إلى ظهره بنبرة المستمسق المتحذلق المتشدق: “أولم تقرأ قول امرئ القيس وليل كموج البحر أرخى سدوله؟” فجحظت عينا الإشبيلي طويلا قبل أن يتنفس الصعداء في شهقة مدوية ثم راح يجول ببصره بين الحاضرين كأنه يطمئن لعدم انتشار عدوى هذا الرجل الأخرق بين صفوفهم فوجدهم محملقين فيه أعناقهم ممتدة إلى مجلسه في وسط الحلقة، فضرب كفًّا بكفٍّ في التياع. وارتياح.. ثم أعاد ائتزار حلة العالم الجليل الرصين الحصيف فحدج الرجل لبرهة ولسان حاله يقول:” إن عُدتَ إلى مجلسي مرة أخرى لتُـــقطعنّ ساقُك أو رقبتي”. وأخيرًا، أطلق العنان لصوته الجهوري الحازم فقال قولته الشهيرة بنبرة أحدّ من السيف البتار:” الكموج دابة تقرأ ولا تفهم“.

كثيرًا ما تناقلت الكتب هذه الطرفة فتذاكرها الناس في مقام الإضحاك والإمتاع، بل وربما صار “الكموج” نعتًا لكل ألكع ألكد أنوك عييّ العقل والمِقول… لكن المتأمل المتدبر لحال الأمة في هذا العصر قد يسأل نفسه حائرًا مهمومًا:” كيف حال “الكموج” في بلادنا العربية اليوم؟”…

إنني لا أتفاجأ إذا كشفت إحدى الإحصائيات في يوم من الأيام أن أربعمائة وستة وثلاثين مليون (436 مليون) نسمة في العالم العربي ينتمون إلى فصيلة “الكموجيات” دون أدنى مبالغة. ولا مندوحة من التأكيد على صحة تكهناتي، فإن كنتَ تعجب – أيها القارئ الكريم – من قولي فإليك الدليل:

لا غرو أن أحدنا قد يقرأ – وهو يتصفح الشبكة العنكبوتية – الحادثة السابق ذكرها فيتناولها على سبيل الفكاهة والتندر ثم لا يلبث أن يتابع تجوله في الفضاء الرقمي دونما اكتراث. لكن هل وقفتَ مرة واحدة أمام القصة متأملا ما بين السطور متوقفا على ضفة التسلية والعبث راغبا في العبور إلى ضفة التحليل والاستنباط؟

دعنا من هذه الأقوال الشائكة ولنتحدث قليلا فيما يفيد. على سبيل المثال، ما هي أبرز غرائز “الكموج” العربي؟

غرائز “الكموج” العربي

لعل أبرز ما لاحظته من سلوكيات “الكموج” في بلادنا هو الحرص الغريب على الظهور في مظهر الإنسان المثقف المتحضر وهو ما تجده عند الشبان بالأساس. ولعل العلة من وراء هذا التصرف تعود إلى حالة التنكر للذات التي تعتري كل عربي اليوم. وهنا لا بد من الاستدلال بقول ابن خلدون “المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب” أو بالأحرى “الكموج مولع أبدا بالانقياد للغالب”، لكن هذا الولع تحول عندنا – جراء عدة مسببات وعوامل – إلى حالة من الاحتقار والازدراء الذاتي في مقابل تعظيم وتقديس كل ما هو أجنبي سواء كان غربيا أو صينيا أو حتى من أقاصي أحراش إفريقيا. إن “الكموج” اليوم أصبح راضيًا بما يلقيه إليه أسياده من قشور الغلال بينما يأكلون هم لب الثمرة فيتذوقون حلاوتها بينما يعتقد هو أن مرارة القشرة وحموضتها هي الحلاوة بعينها فيستمرئها ويحمد أسياده على نعمة تقليده إياهم ظنا منه أنهم تكرموا عليه بمثل ما يأكلون وهذا هو التنكر للذات بأوضح معانيه.

“الكموج” وعالم الموضة

قد يكون هذا السلوك مقترنًا بعدة مجالات من الحياة، لعل أبرزها التقليد في الملبس وعالم الأزياء، فتجد “الكموج” حافظا لعناوين المحلات العالمية أكثر من عنوان بيته بل وربما لو تاه يوما في إحدى الأزقة الملتوية فعرضتَ عليه أن تصحبه إلى منزله لأرشدك إلى أحد معارض الموضة المشهورة ظنا منه أنه مكان إقامته. زد على ذلك طغيان المصطلحات الشاذة الرنانة على ألسنة هذه المخلوقات، فقد تحولت خطاباتهم إلى لغة عجيبة رهيبة تشعرك بالارتباك فور سماعها وقد يتعمد أحدهم الإكثار من استعمال صيغ ومفردات شتى فكأن معنى كلامه لا يتم إلا بها بل وربما تكون جالسا في إحدى الأماكن العامة فتلتقط أذنك تعابير من قبيل “ستايل” التي تصبح “صطايل” أو “فاشن” التي تتحول في بعض البلاد العربية إلى “فاسيون” أو أغربها وهي “ريدي تو وير” والتي تصبح بقدرة قادر “غيديتويغ”. أذكر ذات مرة أنني التقيت صدفة صديقا لي في الشارع فتنزهنا قليلا. وأثناء الجولة، أعربت له عن إعجابي ببنطاله فإذ به ينظر إليّ شزرا ثم يحرك شفاهه قائلا بامتعاض: «بنطال؟ هذا اسمه “ريغولار جينز”… سكتُّ حينها ولم أدر ما إذا كان العيب فيّ أم فيه…

“الثقفوت”

أما السلالة الثانية من فصيلة “الكموجيات” فهم أولئك الذين يدّعون في كل العلوم معرفة شاملة. وهؤلاء على قلتهم في مجتمعاتنا إلا أنهم شديدو الخطورة عليها كأنهم براميل بارود تم إخفاؤها في ركن مظلم من مخزن كبير. فهؤلاء الذين أحب تسميتهم بـ “الثقفوت”. وهم كذلك قد امتازوا بخصائص أفردتهم عمّن سواهم، وأولى هذه المميزات أن الكتاب قد صار عندهم بمثابة المرآة عند “سنفور مغرور”، فلا تجد أحدهم في أي مكان وزمان إلا وبيده كتاب. بل ربما تجده باحثا مترصدا  لكل تجمع من الناس حتى ينسلّ بينهم ثم يتوسطهم متظاهرًا بالانشغال بقراءة احدى المؤلفات، ولا يزال مقبلا على هذه العادة حتى يُلقّب “مثقفا”، كثيرا ما أصادف، أثناء تنزهي العبثي أمام المقاهي في الأحياء الراقية، أحد الشبان جالسا على كرسي في رصيف إحدى هذه المقاهي يترشف قهوته بوقار ممسكا كتيّبا من التي يطلق عليها “كتب جيب” منغمسا في قراءته مأخوذا بمحتواه… أو على الأغلب متظاهرًا بذلك… أذكر أنني صادفت شابا أعرفه منذ سنوات الصبا جالسا في نفس الوضعية الآنف ذكرها، فسارعت إليه وحيّيته فرحب بي بحفاوة. ثم سرعان ما عاجلته بالسؤال عن اسم الكتاب الذي يقرؤه فإذ به يتلعثم ويهتز يمنة ويسرة في توتر عجيب قبل أن يعود للصفحة الأولى ليقرأ لي منها باضطراب اسم الكتاب الذي كان يلتهمه التهاما قبل ثوانٍ معدودة.

وفي هذا السياق أرغب أيضا أن أشير إلى حادثة لا تقل غرابة، لقد انضممت قبل أشهر قليلة إلى مجموعة على موقع “فايسبوك” تُعنى بالكتب والمطالعة، فما راعني قُبيل نهاية السنة الإدارية إلا تتابع المنشورات التي يتباهى فيها أصحابها بعدد الكتب التي قراؤوها خلال السنة المنقضية وإذ بي أصعق من الأعداد المهولة… خمسون ومائةٌ من الكتب في سنة… مائتان… من يزيد؟… ستة وثلاثون بعد الثلاثمائة… وهكذا دواليك… تحولت المجموعة إلى مزاد علني تباع فيه الثقافة مقابل عدد الكتب التي تم “اغتصابها” في سنة. أرغمني الفضول على قراءة إحدى هذه المنشورات حتى النهاية، فصعقت من هول الكارثة، احتوت القائمة على أسماء شخصيات لا تكفي عقود لدراسة أعمالها والتدبر فيها… تصور عزيزي القارئ أن صويحبنا تمكن من افتراس ثلاثة وثلاثين ومائتين من الكتب من بينها خمسة أعمال لشكسبير، ثلاثة أعمال ل”جوستاف فلوبيرت”، الأمير لميكيافيلي! ما لا يقل عن خمسة أعمال للمنفلوطي، ما لا يمكن إحصاءه من كتابات دوستويفسكي وعشرات العشرات من مؤلفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين كل هذا جنبا إلى جنب مع مجلدات ضخمة مثل ديوان المتنبي وغيره… أما التعليقات، فحدث ولا حرج. رأيت من الإطناب على هذا “الإنجاز العظيم” ما أشعرني بأن صاحب المنشور علّامة من نوابغ القرن. أحسست حينها بالأسى تجاه مجموعتين، أما الأولى فهي دون شك هذه السلالة المتطورة من “الكموج” التي لو عاصرها الإمام الإشبيلي لمات كمدا، وأما المجموعة الثانية فهم مؤلفو هذه الكتب الذين ظنوا أنهم بنشرهم إياها سيشاركون فلذات عقولهم مع جمهور من “البشر المفكرين” فإذ بموجة جراد “كموجية” تجتاح أعمالهم فتدنس قدسيتها الفكرية.

ليس “الكموج” التقليدي من تكومج عن فهم الكتب فحسب، فهذا هو النوع الكلاسيكي من “الكموجيات”، بل إن “الكموج” الأخطر والأكثر انتشارًا هو الذي تكومج عقله عن قراءة التاريخ.. قراءة الواقع. قراءة الماضي والحاضر والاستعداد للمستقبل وهذا هو “الكموج” العربي الذي لم يتطور منذ قرون طوال.

بين الأمس واليوم

حيث يذكر أن في شهر مارس من عام ألف وثلاثمائة وأربعة وأربعين، استولى الإسبان القشتاليون على الجزيرة الخضراء فكتب السلطان أبو الحسن المريني إلى الملك الصالح عماد الدين بن قلاوون المملوكي يطلب النجدة، فبعث إليه الآخر رسالة من أروع ما يكون في الفصاحة والبلاغة لكنها كذلك من أحقر ما يكون في الغدر والخذلان. وقبل هذه الحادثة بقرن من الزمان، كانت قرطبة وإشبيلية عاصمتا الأندلس قد وقعتا في يد الإسبان، وشاعت في بلاد المغرب أبيات منسوبة إلى أبي عبد الله الفزازي وقيل إنها وُجدت بِرقعة في جيبه قبل موته حيث يقول فيها:

الروم تضرب في البلاد وتغنمُ***والجَور يأخذ ما بقِي والمغرمُ

والمال يورد كله قشتالة***والجند تَسقط والرعية تُسلِم

وذوو التعيّن ليس فيهم مسلم***إلا مُعِين في الفساد مُسَلِّم

أسفي على تلك البلاد وأهلها***الله يلطف بالجميع ويرحم

وقيل إن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فقال: “صدق رحمه الله. ولو كان حيا لضربت عنقه”.

وقفة تأمل

أكاد أسمع صوتك يا صديقي يهمس: «ما شأني وشأن بلاد الأندلس وقد طال الزمان بيننا؟”. لكن المتأمل للماضي ببصيرته سيلاحظ شبها كبيرا بيننا وبين أجدادنا… وسيرى دروسا لا يضر تكرارها، فالتاريخ يعيد نفسه. فانظر يا صديقي إلى حال هؤلاء القدامى وقارن بين إبادات اليوم وإبادات الأمس. وتهجير اليوم وتهجير الأمس. وخذلان اليوم وخذلان الأمس. جرّبْ أن تضع الحكام والمحكومين والشعراء والمجنونين في صفين أمام مرآتين متقابلتين وسترى حتما الملامح نفسها تتكرر إلى ما لانهاية.  أمعن، وستلاحظ في أحد الصفين العمائم والبرانس والبراقع أما الصف الثاني ففيه أزياؤنا العصرية لكن الملامح نفسها… كبّر عدسة آلة التصوير لترى الصف الأول على سفينة تغرق… أندلس تتلاشى وتذهب دون رجعة. أرهف إحساسك لتشعر باضطراب الأرض من تحتك فهل آن أوان سفينتنا لكي تغرق أيضًا؟

هل سمعت قصة البحار الذي رأى وأصدقاؤه جزيرة فنزلوا عليها وبقي هو في السفينة؟ ليكتشفوا أن الجزيرة لم تكن سوى ظهر حوت استراح قليلا ثم غاص في الماء فغرق الجميع ونجا هو… عليك أنت أيضا أن تعرف ظهر الحوت من التاريخ حتى لا تغرق مثل من سبقك. ليس “الكموج” التقليدي من تكومج عن فهم الكتب فحسب، فهذا هو النوع الكلاسيكي من “الكموجيات”، بل إن “الكموج” الأخطر والأكثر انتشارًا هو الذي تكومج عقله عن قراءة التاريخ.. قراءة الواقع. قراءة الماضي والحاضر والاستعداد للمستقبل وهذا هو “الكموج” العربي الذي لم يتطور منذ قرون طوال. لم تسقط في يوم واحد بل بقيت تسقط أربعة قرون كاملة لكن أهلها لم يكونوا يعلمون أنها. ستضيع للأبد.

فهل سينظر إلينا أحفادنا بعد أربعة قرون باحتقار وضجر لأن بلادنا تضيع منا ولا ندري؟… لأن الأرض تميد بنا ولا نراها تميد؟… ألا ترى في خذلان السلطان المملوكي لأخيه المغربي محاكاة لما يحدث اليوم من خذلان الناس للناس ولو أن لغتنا أكثر ركاكة وبلادة؟… يقال أن الثور الناجي من مصارعة الثيران الإسبانية لا يعاد إلى الحلبة أبدا، لا لمكافأته على نجاته، بل لأن الثور قوي الذاكرة ولأنه سريع التعلم، ومن شروط الثيران التي تُرسل للحلبة أن ترى ما ترى للمرة الأولى فلا تعرف كيف تواجهه حتى يسهل استدراجها وإرباكها ثم قتلها… لمتعة المشاهدين… تصوّر لو أن الثيران التي نجت من الحلبة أخبرت صديقاتها بما يحدث في المصارعة من أهوال ثم أعطتها سر النجاة…لكنها لم تفعل… لأنها لم تتعقل… وما دامت لا تتعقل، فالمصارعة مستمرة والحلبة دائمة الامتلاء…

فالعقل درع وطوق نجاة.. العقل درع.. فتعقّل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

مهتدي باشطبجي

مهتدي باشطبجي، طالب في السنة الثانية علوما من التعليم الثانوي، أنا شاب عربي المنشأ إسلامي الفكر مولع بالأدب وفنونه. لدي العديد من الأعمال في الرواية والشعر والخاطرة والمسرح إلى جانب المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى