مدونات

الكتاب بين الماضي والحاضر والمستقبل

للكِتاب أدوار متعددة تحدث عنها الشعراء والأدباء والنقاد في زمنهم الذهبي، وحتى الآن لازال الكثير ينادي العامة للإقبال على الكِتاب، فهو خير مؤنسٍ كما وصفه العديد؛ نظرًا لما يكتسيه من أهمية معرفية كبرى؛ فهو يمدنا بالمعارف كونه يبعدنا عن الجهل والوهم، ويقلص هوة وظلام الجهل، فإذا كانت الأمم قد تطورت، فالكتاب هو خير معينٍ على ذلك.

لكن وللأسف الشديد نرى هذا الأخير اليوم يفتقد النسبة المطلوبة؛ إذ في عالمنا العربي الذي كان معروفًا منذ القديم بالعدد الهائل الذي كان يقرأ الكتاب، أصبح اليوم هو آخر مرتبةٍ في مراتب الإحصائيات العالمية الثقافية، فمعدل قراءة الكتاب لدى القارئ العربي قليل جدًا لدرجة أنه أصبح مشكلةً تدق ناقوس الخطر.

ولذلك قضى الأدباء حياتهم في هذه المسألة، لكن لا حياة لمن تنادي، فكيف يمكن توعية أجيال اليوم بطريقة غير مباشرة بأهمية الكتاب؟ فلطالما كانت المدارس تولد وعيًا لدى التلاميذ بالكتاب وبدوره وما يتعلق به، وأصبح هذا روتينًا لدى التلاميذ، فيسمع عن الكتاب أنه مهم ومفيد، لكن قلما ترجمه التلميذ إلى الواقع، بل أصبح من النادر أن نرى تلميذًا أو طفلاً أو رجلاً يحمل كتاباً بين يديه في منزله ولحظة خروجه، وكذلك في الأوقات التي يكون فيها في الحافلة مثلاً، فبدلًا من أن يستغل وقته في قراءة الكتاب، نجده جالسًا أمام الهاتف، وهنا لا أقصد أن الهاتف أمرٌ سلبيٌ أو أمرٌ محظور، وإنما أقصد أنه يضيع وقته في أشياءٍ تافهة لا تعود عليه بالنفع.

إن أهم الأسباب التي تجعل الإنسان اليوم مهوسًا بمشاغل أخرى تحول بينه و بين قراءة الكتاب، وناسيًا إياها، تتجلى في كونه مواكبًا لما يراه العالم اليوم من تفاهاتٍ في ظل الثورة المواصلاتية والتكنولوجيا، فأصبح بذلك يجري وراء كل ما هو جديد في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، ويظن بذلك أنه متحضر، وأن القراءة لن تنفعه في أي شيء، ولا عن افتقاده لبعض القيم يجعله كذلك عازفًا عن الكتاب، فإنسان اليوم مفتقدٌ لقيمة الصبر وهي قيمة إن لم نقل شرط أساسي، يجب أن يتصف بها قارئ الكتاب، أن يصبر ويتبع كل تعليمات التي يتحدث عنها الكتاب، إلا أن السرعة اليوم لم يستطع الكتاب أن يواكبها وهذا ما يجعل العاجزين عن القراءة يستدلون به.

ومن أهم الحلول التي بإمكانها أن ترجع التائهين إلى صواب قراءة الكتاب تتجلى في قيام جمعيات المجتمع المدني والهيئات اللاحكومية بمجموعةٍ من الحملات التحسيسية التي يمكن أن تكون إما عبارةً عن ندوات تستهدف فئة الطلاب، أو عبارة عن مسابقاتٍ تستهدف نفس الفئات بجوائز تشجيعية تثير انتباههم وتجلبهم نحو الاستفادة، هذه كلها أسباب اليوم إن لم يكن إنسان اليوم بصفة عامة لا يتأثر إلا بكل ما يثير انتباه العامة، لذلك يمكن القول أن من كان في استطاعته الإبداع في طريقه لرد الناس وإعجابهم بالكتاب، فهذا حقًا هو الفنان المبدع في صناعة البشرية الثقافية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق