ثقافة و فنون

الكتابة كـدَواء: هناك بين الأحرف تكمن جنتنا الضائعة

تعد الكتابة باعتبارها فنًّا، ترياقًا شافيًا لعديد الكتّاب الذين ما خطّوا حرفًا ولا صاغوا جملةً إلّا بعد تمخّض الفكرة من رحم المعاناة والألم.

ولطالما مثّل الفنّ إحدى أهمّ الوسائل التعبيريّة التي يصرّف من خلالها الإنسان ما اعتمل في نفسه من مشاعر مختلطة وأحاسيس متنوّعة. فكانت “يقظة الإحساس” كمّا يسمّيها الشاعر التونسي أبو القاسم الشّابّي، منطلقًا لإنتاج إبداعي غزير يوثّق المحطّة التي مرّ بها الفنّان أو الإنسان ويساعده على تخطّي ما يواجهه من صعوبات الحياة ومآسيها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّني لا أريد حصر الكتابة على الألم ولكن المراد قوله أنّ الكتابة قد تكون في كثير من الأحيان آخر السبل التي يلجأ إليها الإنسان إذا لم يجد له من سميع أو معين.

بالكتابة نقاوم ضربات الحياة

فهو يكتب عندما تتقطع به الأسباب ولا يجد الآذان الصاغية أو عندما يشعر أنّه “ليس الفم المناسب لهذه الآذان”، والعبارة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

وفعل الكتابة علاوة على دوره المعرفي والتعليمي والتفسيري؛ هو وسيلة مقاومة فنّيّة تساعد الإنسان على مجابهة أقسى لحظاته، بل وتحويل المرارة إلى لذّة غريبة تجعله يقف منتشيًا ومغنّيًا أناشيد الخلود من قلب الجحيم.

يرى الكاتب والصحفي الجزائري كمال داوود، أنّ الكتابة وسيلة للانتصار على الموت. فالكاتب يموت ويفنى مثل كل الكائنات، أما ما تركه في سجلّ الإنسانية من أدب مخطوط فقد يعيش عمرًا أطول من كاتبه ولربّما ينال شرف الخلود.

الكتابة وسيلة للانتصار على الموت.
كمال داوود 

بين الأحرف الجنة الضائعة

زد على ذلك أنّ للكتابة قدرة هائلة على امتصاص مشاعرنا السلبية فتحُول بين الإنسان والإحباط وتحميه وتحمي محيطه من تلك الحالة النفسية المتأزمة، فقد يجد الكاتب بين أحرفه جنّته الضائعة فيمتلك زمام الأمور كيفما شاء، يخلق ويقتل ويبدأ وينهي، إنّه يتألّه في دنيا من صياغته الشخصيّة، ويعوّض جلّ أمانيه في أرض الورق.

كما أن الكتابة ليست مجرّد تصبير أو مواساة للنفس، إنّها تساعد على توضيح الأفكار وتطويرها، فالتعبير في العموم حاجة بشرية، وكتمان ما يدور في خلد الإنسان لن يؤدّي إلا لمزيد من الكبت والقلق فالإحباط، أما بسطها وتفصيلها فيمنحه إمكانية قراءتها من جديد والبناء عليها.

الكتابة كدواء

إنّ الكتابة لا تتطلّب لزامًا قدرًا كبيرًا من التمكّن اللغوي ولا تستوجب قدرات خارقة، وإنّما كل ما يجب حتّى تكتب هو الإحساس الصادق، وفكرة قررت أن تهبها الحياة، أمّا من يظنّ أنّ الكتابة حكرٌ على اللغويين ومن نهلوا لزامًا من مئات الكتب، فهو قد يحرم برأيه المتعنّت كثيرًا من الناس من دواء الكتابة ظنّا منه أنّهم ليس أهلًا لنيله.

نحن في عصر التطوّر والحداثة ولم يعد هناك ما هو أسهل من العثور على مدقّق لغوي أو الاستعانة بمتطوّعين؛ قصد إصلاح الأخطاء الإملائية والهفوات النحوية والصرفية. لكن ما من مدقّق لغوي قد يحسّن درجة الإحساس ومدى صدق الكاتب، وما من مدقّق قد يصقل حزنك أو يذكي نار حماسك إذا اشتعلت.

لذلك نصيحتي لكلّ ذي حسّ مرهف وقلب مليء بما شاءت له الأقدار أن يُكتم طويلًا، اكتب.

اكتب كي يصير عمرك أطول.

اكتب حتّى يرى عقلك النّور.

اكتب لأنك حيّ، وإنك تزداد حياة عندما تكتب.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بسام ساحلي

كاتب تونسي مستقل

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق