مدونات

الكاتب الحق: جندي في ساح الوغى

إن الكاتب الحق، المدافع عن الحقيقة بقلمه، لَيُموت وهو يمسك بقلمه، متمسكاً بفكره وآراءه التي سكنته فباتت تُسَيِّرُه، وإلى ما شاءت أنْ تُصَيِّرْهُ صيرته وصنعت منه زعيماً يقتدى به، ومرجعاً فكرياً يستدل به.
يموت كما يموت الجندي في ساح الوغى، حاملاً بندقيته التي يذود على حماه بها مكافح منافح، غير مصافح ليد امتدت لِتَغْدر به، يسقط في أرض المعركة وهو متأبط راية النصر، يحملها لترفرف عاليًا بين الأمم علو هامته.
يسقط هو ولا تسقط له راية الحق التي حملها، هَاَمة حَوَتْ واحتوت فكره المدافع به عن وطنية، باتت كالغريب في وطنٍ لا يعرفه إلا من سقط رأسه فيه، تدفعه ويغذيها وازعه الديني الذي تشبع به، إيماناً بعقيدة هي فطرة جُبِلَ عليها.
إن الكاتب الحق، حين تقرأ له، قد تستفزك أراءه وتوجهاته أحياناً، لكنه ربما تجده مضطراً لأن يعايش مختلف شرائح المجتمع الذي يعيش فيه، هذا ليعرف وزن عقول من هم حوله، محاولاً جهد ما يملك من ملكات فكرية أن يتقرب إليهم ويتغلغل بفكره ليزرعه فيهم، باسم التآخي ونبذ كل الفوارق التي تحول بينه وبينهم، بغية تذليل الصعاب ليسهل عليه تمرير فكره بسلاسة، وهذا لن يتأتى إلا بإجادة تنميق الحرف واختيار المتلقي له وإن اختلفت عقائدهم.
فلا تعجبن لكاتب يسافر ويعاشر الأجناس بشتى جنسياتهم، واختلاف أعمارهم وجنسهم، ويعايش المجتمع بطبقتيه الفقيرة والغنية ليزاوج فكره بفكرهم؛ لأن الرِّسالة التي يحملها الكاتب المجاهد في سبيل نشر فكرة يريد لها أن تحيا بعد موته، هي في الأصل تتوقف على حنكته وحكمته في التعامل مع الطرف الآخر، وهذا من أجل توطيد أواصر التواصل الاجتماعي من أجل حوار متمدن مفتوح على كل أطياف المجتمعات العالمية.
نعم هذا هو الكاتب المتمدن حسب وجهة نظري، والذي من الواجب عليه أن يُكَيِّفَ قراءاته ومتغيرات الزمن والأماكن، شريطة ألَّا يتنازل عن مقومات عقيدةٍ آمن بها وناضل لأجل إحيائها.
لا عجب أن تروا كاتباً يُغَيِّرُ كتاباته كل مرة بين الشَّباب والشُّيوخ، أو يؤيد في كتاباته إيجابيات فكر هو رافضه، إلَّا أنَّه لا يختلف معه في هاته الإيجابيات الداعية للسمو بالقيم الإنسانية، وترفض أنا التملك والسلطوية وشمولية حكم البشر.
هذا هو الكاتب الفذ الذي يدافع عن دينه وهويته بقلمه، والذي يحارب بلسان غيره كالمحارب الذي يدافع عن أرضه بسلاحٍ لم يصنعه هو، أو ربما بسلاح عدوٍ كان يوماً ما صديق منافق، ولا ضير في أن يكون الكاتب فرنكوفوني اللسان، لكنه يكتب بفكرِ عقيدته ووطنيته، غير فونكوفلي المذهب والفلسفة، أو فرنكوماني تنصل لجنسه.
فلا بأس إذن من حوار متمدن يخوضه كُتَّابُنا، ينهلون فيه من معين الحقائق المُغيبة، لا مِمَا زيفوه من تاريخ يشهد عليهم يومًا ما، أنهم سلبوه الحقيقة تماماً كمن يأكل لُبَّ الثمرات ويذر قشورها في القمامة.
لقد آن الآوان للكُتَّابِ آنَ أَنْ يؤمنوا بحوارات ونقاشات الأديان والمعتقدات، حتى يتسنى لهم وزن القوى العقلية لمن يعادونهم ويُكِنُّونَ لهم العداء الجلي والمُبَطَّنِ، ولن يكون ثمة نجاح في الحوار إلا إن كان الكاتب متمكنًا فيما يُقْدمُ عليه.
هذا لأنَّ النّْقاش بين الإيديولوجيات وإن اختلفت، فهو بمثابة مناوارات عسكرية تُخْتَبَرْ فيها قوة وجاهزية القوى الهجومية والدفاعية لدى الطرفين، قبل خوض أي معركة من معارك البقاء بين الأقوياء، محافظين بذلك على سلامة الأرض ومن يدافع عليها ويسكنها، لأن الحرب حربٌ بين الأديان، والمذهبية قد بدأت تحط أوزارها في الأمصار العربية، وقد لاحت الرايات السود ترفرف عاليًا في سماء الأمة، ترفعها ألوية الغدر والحقد من لدن كل غاشمٍ يكيد لأمة ما، فتأت ترفع رايات السِّلم والسَّلام، لتثبت دعائم وأسس السلام بين الأوطان.
إنا اليوم صار لزوماً علينا نحن حملة القلم، الذين كُتِبَ علينا أنْ نتسلح بالقلم من أجل الدِّفاع عن ديننا ومعتقدنا، وندافع فندفع عن أمتنا شر كل مَنْ يتربص بها من الخارج، وما يحاك بداخلها من هاجس الفتنة.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

رمضان بوشارب

رمضان بوشارب كاتب ورسام وخطاط مستقل صاحب كتاب خط زوال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى