علوم وصحة

الكائن الحي بوصفه “آلة بقاء”

يسود في علم البيولوجيا منهج اختزالي بدأ منذ مطلع الثلاثينات مع ابتكار الصرح النظري “الاصطناع التطوري الحديث” وهو اتحاد أفكار من عدة تخصصات أحيائية تقدم اعتبارًا مقبولًا على نطاق واسع لنظرية التطور، وهذا التوجه الاختزالي يطلق عليه عادة مسمى “الداروينية الجديدة“. ينظر الداروينيون الجدد اليوم إلى الجين Gene كوحدة الاصطفاء الأساسية لـ “آلة بقاء”. ومن خلال المقترب الجيني تفسر أنواع السلوك الحيواني، بما فيها السلوك التعاوني والإيثاري.
بدأ العالم ريتشارد دوكنز بتطوير هذا الخطاب منذ سنة 1966، متأثرًا بأفكار العالم الأحيائي د. هاملتون. وفقًا لهذا التوجه فإن الحيوانات هي، مجازيًا، آلات تحمل برامجها معها. البرامج هي الجينات. كل ما لدى المتعضية من أعضاء (أيدي وأرجل وعيون إلخ) هي روافع قدرة لنقل الجينات للجيل التالي.
في عام 1976 كتب دوكنز كتاب “الجين الاناني”، وبسببه أصبح مشهورًا. لم يكن دوكنز مبتكر هذه الفكرة، إذ سبقه إليها فريدريك ليوبولد أوغست وايزمان في الثلاثينات، وكان هملتون قد قدمها في الستينات، لكن دوكنز كان أفضل من بين نتائجها وشرحها بشكل بلاغي.
لنستكشف هذه الفكرة، أي الحيوان آلة بقاء لجيناته.
كل حيوان له مظهر خارجي، وله برنامج جيني، مكون من جينات. إذا مات الحيوان فإن نسخة برنامجه الجيني تموت أيضًا. البرامج الوحيدة المستمرة حتى يومنا هي تلك التي نجى حاملوها، وتناسلوا.
بهذا المعنى، ليس ثمة في العالم الحي سوى جينات استمرت في خط غير منقطع من الأسلاف الناجحين. أما الذين لم ينجحوا فقد انقرضوا واندثرت جيناتهم.
ما يجعل الجين وحدة اصطفاء هو أنه يستمر إلى الأبد: عبر أجيال كثيرة.
لكن ما الذي يحدد نجاح الجين؟ عوامل النجاح تكمن في تأثير الجينات على الصور المظهرية. أي أن يديك وجسدك ودماغك إلخ (صورتك المظهرية) مشفرة في جيناتك، ويتمثل نجاحها بأننا موجودون.
ذهب دوكنز إلى أبعد من ذلك، متجاوزًا حدود تأثير الجين على الجسد. وفي كتابه “الصورة المظهرية المعممة” سنة 1982، يفسر كيف أن أوكار الحشرات وأعشاش الطيور وسدود القنادس وربما حتى مدننا، هي صور مظهرية ممددة للجينات. ومن هذا المنطلق لا شيء يمنع أن يكون العالم خارجًا هو نتيجة مظهرية لجيناتنا (رغم أنه ليس كذلك غالبًا).
وجهت انتقادات علمية عديدة للاختزالية والموقف المتعصب لبعض منظريها. وليس لدى دوكنز أي حرج من تعصبه لتوجهاته، التي عبر عنها بقوله:
“إنني دارويني لأنني أؤمن أن الاحتمالات هي إما لاماركية أو الله ولا يمكن لأي منهما أن يكون مبدأ شارحًا. الحياة في الكون هي إما داروينية أو شيء آخر لم يتم التفكير فيه بعد”.
إن علم البيولوجيا، على عكس العلوم الفيزيائية، هو علم يقوم على المفاهيم وليس القوانين، بالتالي فإنه من الطبيعي أن يستمر النقاش حول القوة التفسيرية للانتقاء الطبيعي ودوره والمستويات التي يعمل عليها، بدءًا من الجين وانتهاء بالعشائر السكانية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق