سياسة و تاريخ

القُطرية العربية.. أزمة نظم أم أزمة سياسة؟

قد يستغرب البعض من صيغة العنوان اعتبارا للترابط العضوي، الدلالي والسببي حتى، بين مفهومي النظام والسياسية بين أداة الإنتاج والبضاعة إن جاز التشبيه، أو بين الوقود ونوعيته وقيمته والحركة شاكلة مضيها.

لكن حالما نلتجئ بالسؤال إلى الوقع التطبيقي العربي وما يطبعه من نشازات مفاهيمية وعملية، جعلت السياسة أخطر نشاط ومهنة قد تُمتهن في المجتمع أو سوأ قطاع من حيث الصيت والسمعة لدى المواطنين، بسبب حالة الاعتلال العقلي السياسي وانحدار النخب بالسياسة إلى سفالة السلوك المجتمعي للمنحرفين، من قتل وسرقة ونهب وسلب لكن بالبدلات الرسمية المدنية الأنيقة والبزات العسكرية المتألقة، فانتفى تحت أثر المظهر، الإجرام، الانحراف، القبح عن المراس السياسي وبقي محصورا في الواقع الاجتماعي البسيط.

فلماذا لا تزال القطريات العربية بعد أزيد من سبعين سنة ونيف عن تأسيسها، تعاني من أزماتها السياسية، والدستورية التنظيمية في الحكم؟ و كيف السبيل إلى تحقيق التجاوز التاريخي لهاته المرحلة الطفولية التي طالت وتكاد تتهدد كياناتها بالشيخوخة المبكرة؟

أولا: الغياب التاريخي للقواعد التأسيسية

من محصور عبارة السؤال في البعدين النظام/السياسة، يتضح أن الطرف الأساس في الإشكالية والذي هو المجتمع في المعنى السوسيولوجي والشعب في المعنى البوليتولوجي، مغيب كعنصر سببي في الأزمة الحاصلة، وتغييبه لا يعني بالضرورة أنه لا يتحمل جزءه من الواقع المزري الحابس لمنطق تطور السياسة وما يتصل بها من مفاهيم وآليات وجعلها تنبسط وتجري وتسري في البلاد، إنما هو مغيب في لحظة التأسيس القطري لكونه افتقد وقتها لأبرز وسائل التأسيس وهو الوعي بشموليته المفاهمية والأداتية، بشقيه الثوري أو التأسيس السلمي.

من هنا بدأت أزمة شرعيات الحكم المستمرة في القطريات العربية لما بعد الاستقلال، فكل النظم تنتج سياسة وهاته الأخيرة تعيد إنتاج هاته النظم خارج إرادة ووعي الشعوب، على مدار فترة الاستقلال الوطني والانبلاج القطري.

ثانيا: ساسة من دون سياسة وعسكر من دون عسكرية

هكذا انزياح فوقي في التأسيس القطري عن الوعي القاعدي، توج نخبا بالقيادة الأبدية والميراث الشللي للدولة والمجتمع، أُسر مالكة، عصب متملكة، وعساكر متحكمة، ترفعوا في أنوجادهم على رؤوس مجتمعاتهم، منهم من نصبه الاستعمار منهم من سكت عنه الاستعمار (سكوت الرضا للعمالة) ومنهم من تأسس بالقوة وخدم بها شلته أو طائفته بمباركة من الخارج.

لكن حينما نعود إلى النخب المؤسسة للقطرية العربية، بالإضافة إلى افتقارها للمشروعية التاريخية والقانونية، وشذوذها عن نخب التأسيس الغربية سواء الثورية منها أو البورجوازية التي عنت ببناء قطرياتها على أنقاض القوميات الكبرى، نجدها لا تتوفر على أدنى قدر من المشاريعية تلك.

فالساسة الذين سيطروا على مصادر إنتاج القرار هم أبعد ما يكونون عن السياسة معرفة وممارسة، لهذا خلطوا عملا صالحا بطالح عبر مساراتهم الطويلة، والعساكر كان جلهم بدون عسكرية يتسلقون من دون حرفية رتب الضبطية لكونهم سيطروا على الحكم بفعل المؤامرات والقوة.

واليوم في ظل توافر الكليات الحربية الكبرى وامتلاك الجيوش العربية لبعض من تكنولوجيا الحرب، لا يزال قواد الكثير من العساكر (من دون عسكرية) يسيطرون على مصادر القرار السياسي والعسكري معا، والأمر ذاته حاصل مع السياسي، فعلى الرغم من ارتفاع المستوى الثقافي للمجتمعات العربية وبروز معاهد وكليات لتخريج النخب السياسة والاقتصادية، لا يزال السياسيون (من غير سياسة) يسيطرون على غرف اتخاذ القرار السيادي والسياسي في البلاد العربية.

والمشكل هنا هو أن هاتين الطائفتين صارتا تتوارثان جينيا وجيليا حكاية الشرعية التاريخية للبقاء في الحكم، والأكثر منه توظف النخب المتعلمة والمتكونة ممن لا تقيم اعتبارا لقيمتها الاجتماعية وزنا وتفضل العلف على المعرفة.

ثالثا: معارضة فوقية

في الجهة المقابلة داخل مسرح السياسة المهجور المكسور، تبرز المعارضة بذات السلوك الفوقي الذي ظهرت به نخب الحكم التأسيس وما أعقبها من جيل وريث للغنيمة الأبدية (الحكم)، فجل نخب المعارضة لا تحمل مشاريع إنتاج وعي سياسي جديد ينقل المجتمع من وهج لحظة التأسيس المتلألئة دوما في خطابات السلطة، بألق الوطنية الثورية ومشاعر الفخر بالعسكر وبطولاته والحكم والحاكم وانجازاته.

مشاريع المعارضة ظلت قائمة على وجوب تنخيب الخطاب والسعي للمشاركة في الانتخاب، أو محاولة الحصول على ترخيص بالعمل العلني السياسي والاعتراف بالوجود في الساحة السياسية كأفق نضالي لكثير من التيارات ،وهو جهد استنزفها وأضاع منها القدرة على تصور البديل الموضوعي للحكم، وبالتالي اتضح أنها رغم عراقتها في العمل السياسي السري إلا أنها في قدراتها التدبيرية والتسييرية للوطن بدت طفولية ساذجة، والمثل الأكبر هنا كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

رابعا: ركام الأسئلة ونضوب الخيال أو أجيال تموت في أحلامها

هكذا احتباس للخيال السياسي وانحباس لوعي الجماعة الوطنية في لحظة التأسيس الأولى جعل أسئلة الوجود الوطني لدى الأجيال المتلاحقة والمتعاقبة تتعاظم وتتفاقم من دون أجوبة من قبل نخب حكم (موروث من لا شرعية) ونخب معارضة (متأزمة ومتأزلة في البحث عن ذاتها أكثر من بحثها عن مجتمعاتها)، وباستحالة الإجابة عن أسئلة الأجيال تلك، صار الصدام حتما مقضيا يُترقب فقط موعد انفجار ثورته وهو ما حصل في بداية العشرية الثانية من القرن الحالي.

فالربيع العربي إذن، الذي انتظر ميعاد تفجره ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة التي اختزلت المسافات وطوت المساحات ونقلت بالسرعة القصوى الصوت والصورة إلى الأقاصي البعيدة، لم يكن تعبيرا عن رفض شعبي لفساد تلكم النظم العربية فحسب، بل تعبيرا عن إرادة في القطع مع مرحلة التأسيس القطري الأولى التي أفلست فيها السياسة ونظمها أخلاقا وعملا.

خامسا: موت الفرد والجماعة

إذن فبالنسبة للأجيال التي ظلت لسنوات تنشد في المدارس وفي كل حظائر وحقول التنشئة الوطنية مرددة عبارة (نموت نموت ويحيا الوطن) وهي ترى في المقابل أن الوطن لا يحيا بل إنه ليكاد يموت بفعل حال الاحتباس التأسيسي الأول وانغلاق السياسة على الحكم والحكم على السياسة، صارت تعي جيدا ضرورة تحرير الوطن من مفهوم الجماعة التي تؤدلجه حتى يغدو مرتبطا هوية وتاريخا بها وبأجيالها، وهذا لا يمر سوى عبر إعادة النظر في أساس تكوين الوعي السياسي وفضاءه الوطني بنزع مركزية الجماعة في الحق جعل مركز الفرد هي الأعلى، ففي الغرب الذي لا تفتأ تتطور فيه مفاهيم الدولة نظريا ووظيفيا تأسس الحق السياسي على مبادئ حقوق الإنسان وليس حقوق الأناسي كما هو الحال عندنا عربيا، ومع الأسف لم ينل أي من الطرفين للإنسان (الفرد) ولا الأناسي (الجامعة) حقوقه من قبل الجماعة الحاكمة.

وخلاصة الأمر هي أن الوعي الحالي لشعوب عربية تعلمت من تجرابها واتصلت بتجارب الآخرين، قد شخص أمة القطريات في كونها متصلة اتصالا وثيقا بمأزق التأسيس الأول الذي يتوجب كسره ورفع قواعد الحظائر الوطنية الأولى بنظم سياسية جديدة تخلط في بنيتها المعرفة النقدية للسياسة بالتاريخ الوطني حتى ينتقل المجتمع من الوعي الرعوي إلى المواطنة الواعية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق