مدونات

القناعة كنز المهزومين

لا بد أن تبدأ في لعب لعبة أكبر، كفى من متابعة المواضيع التافهة في صفحات التواصل الاجتماعي، وتتبع الأخبار والقصص الزائفة، وانتقل إلى مرحلة الاستفادة مما تنشره ماديا ومعنويا، إنه عصر التكنولوجيا والتطور السريع للمجتمع والحياة. متى ستقطع مع التسويف والتأجيل ومد يدك للآخرين، ألم يحن الوقت ليكون لك عمل حر يحقق لك الرفاهية والاستقرار النفسي والمادي؟ زمن المبررات والأعذار انتهى، تعلَّم شيئا جديدا ومهارة جديدة ولغة جديدة. 

لا تلتفت إلى الأشياء التي تسبب لك الضجر والكآبة، وتعرَّف على أصدقاء نافعين وادفع عنك كل الذين يسببون لك الإحباط والفشل ويشجعونك على البقاء في منطقة الراحة، ويرسخون في ذهنك أن القناعة كنز لا يفنى؛ ألم تسمع عن المثل القائل اختر الصديق قبل الطريق، أو دعني أحكي لك قصة الشاب الذي كان يرهن نفسه وحياته  دائما لآراء الآخرين يقررون فيها، ويخططون لحياته، وكيف يجب أن يعيشها حتى فقد كل أمل في أن يتخذ قرارا من دواعي نفسه، وأن تصبح له شخصية مستقلة وأحلام محددة، لقد فقد حلاوة العيش وحلاوة النصر وحلاوة التجربة. يجب أن تسد كل الذرائع التي تحول بينك وبين اكتشاف عوالم أخرى، وتجعلُ عقلك عاجزا عن التفكير حتى في أبسط الأمور المتعلقة بحياتك ومهنتك وعواطفك أحيانا، إنها تجعلك تعيش في دوامة من اليأس والفشل المتكرر والخوف من خوض تجارب جديدة في حياتك، إنك بحاجة لأن تدخل مصطلح المغامرة في قاموس حياتك وتزيح كل تلك المصطلحات المحبطة والأغلال التي تكبل عقلك؛ القناعة، الفشل، الخوف، الراحة، اليأس، التفكير الشديد في الماضي… يجب عليك أن تقنع نفسك بأنك أنت من يتحمل مسؤولية عيشك وعلاقاتك، وأنك من يجب أن يتحمل النتائج الناجمة عن ذلك، يكفي أن تقتنع بذلك فقط، وعندها ستُشرع أمامك كل الأبواب وستجد من يدلك على ما ستفعله في كل حدب وصوب، ستجد الأنوار التي طالما حُجبت عنك، وستجد مفاتيح المغاليق الكثيرة التي استعصى عليك فتحها، وستشعر بأنك امتلكت طائرة استطلاع تكشف لك بعدستها كل الخبايا والأسرار وتجعل العالم كله في مرمى عينيك، ستكتشف طعما جديدا للحياة، إنك بكل بساطة سترى كل شيء بوضوح تام وتستكشف أسبابا عديدة للنجاح وستحقق نتائج مبهرة. ثم بعد ذلك غير سلوكاتك وعاداتك اليومية باكتشاف الطريقة التي بُرمج بها عقلك على تلك العادات واستدرك ذلك، واشرع في تغيير تلك العادات السيئة.

لقد سمعت كثيرا أن الإنسان يولد في الحياة مرتين؛ المرة الأولى عندما تلده أمه، والمرة الثانية عندما يزيل الغشاوة المستبدة على بصره وبصيرته، فتمكنه من رؤية بواطن الأشياء ورؤية الجانب المشرق من شخصيته وحياته، ويبلغ أشده.

لا يجب أن أفكر في إطار القوانين التي وضعوها لتكبيلي أو داخل تفكير الجماعة الغبية، وإنما يجب أن أفكر بقلبي وببصيرتي لكي أكون الشخصية التي تستطيع اتخاذ القرارات المناسبة، عليك أن تعلم أنه بوسعك أن تضمن دخلا مريحا يغنيك عن الالتزامات الكثيرة التي تفرضها وظيفة تقوم على التفكير الجماعي، وتستغرق منك جهدا ووقتا أكبر. يحكي واين داير الكاتب الأمريكي المعروف قصة والده السكير الذي تركه صغيرا مع إخوته وأمه دون إعالة ودون أدنى اهتمام بهم، هل تعلم كيف وصف أباه؟ لقد وصفه بالمعلم الأكبر. لأنه تركه وشأنه ومكَّنه من أن يعتمد على نفسه دون تدخلاته العنيفة وعدم اهتمامه بأسرته، إنها معركة إثبات الذات ومواجهة التفكير الجماعي في عالم لا يدّخر جهدا ليضمك إلى القطيع الموجه إلى نمط واحد في التفكير والعيش. إنهم يبحثون عمن يسير معهم في ظلامهم فلا تتبعهم، عليك أن تكون حرا في اختياراتك وأحوالك، وألا تسمح لأحد بأن يقوم بهذه الوظيفة المقدسة، ذلك أن المعرفة الروحية لا تعتمد على أحد سواك، يجب أن تدخل في اختبار روحي يوصلك إلى كشف الأسرار التي أتت بك وجعلت لك فرصة لتكون في هذا الكون المنظم بعناية فائقة ودقيقة في كل أحواله وتقلباته وفي أصغر مكوناته. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ABDELLATIF EL BENNANI

عبد اللطيف البناني، من المغرب، مدرس مادة اللغة العربية بالسلك التأهيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى