سياسة و تاريخ
أحدث المقالات

القمة العربية الأوربية.. استثمار في الاستقرار أم الاستحمار؟

انطلقت قبل يومين ونصف أشغال القمة العربية الأوربية الأولى من نوعها بين القادة العرب والأوربيين تحت لواء الجامعة العربية والاتحاد الأوربي بشعار: “في استقرارنا.. نستثمر” وقد عقدت هذه القمة بشرم الشيخ تحت الرئاسة الفعلية لمصر مناصفة مع الاتحاد الأوربي في شخص رئيس مجلسه دونالد توسك ورئيس جامعة الدول العربية.

في سبيل استخراج أهم محطات هذه القمة والآثار المترتبة عنها نطرح الأسئلة الآتية التي سنرجئ الإجابة عنها إلى الفقرات الموالية من مقالنا هذا: فما هي القيمة الحقيقية لقمة شرم الشيخ وما مدى تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية للدول العربية المشاركة؟ هل كانت القمة بمنطق رابح-رابح أم أن الدول الأوربية المشاركة انفردت بمصالحها غير عابئة بمصالح العرب؟ وهل ستتحقق مخرجات القمة على أرض الواقع أم أنها ستبقى حبيسة البيان الختامي والصور البرتوكولية؟

 القمة العربية الأوربية في أرقام

√  تعد هذه القمة هي الأولى من نوعها بشكل رسمي بين الدول العربية ونظيرتها الأوربية، وتعتبر بمثابة بداية حوار جديد بين الاتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية يلتزم القادة على إثره بعقد مؤتمرات قمة بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية بشكل منتظم ومن المقرر عقد القمة التالية في بروكسيل سنة 2022.

√ تمثل الدول المشاركة في القمة تكتلا بشريا وجغرافيا هائلا بتعداد 900 مليون نسمة وأزيد من 18 مليون كيلومتر مربع.

√ بلغت قيمة المبادلات التجارية بين الدول المشاركة سنة 2017 أزيد من 72 مليار يورو ترتكزه بالأساس على المواد الطاقية وصناعة السيارات والآلات الحديثة المستخدمة في الصناعة.

√ عرفت القمة مشاركة 50 دولة من الجانبين ممثلة بمختلف المستويات من رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية إضافة لممثلي ورؤساء كل من الجامعة العربية والاتحاد الأوربي.

 أبرز قضايا قمة شرم الشيخ

تم تحديد مجموعة من القضايا الرئيسية في جدول أعمال القمة، ويأتي على رأسها سُبل محاربة الإرهاب والتطرف وكذا محاربة الهجرة غير النظامية خاصة بدول شمال أفريقيا التي تعد البوابة المفضلة للمهاجرين الأفارقة نحو أوربا.

وقد كان الهاجس الأمني أكبر مخاوف قادة القمة خاصة مع تداعيات الأزمة الليبية القريبة جغرافيا من مصر، ثم أزمات الشرق الأوسط بسوريا وتضارب الآراء حول حل سياسي متوافق عليه بين كل الأطراف،  والحرب في اليمن التي تشارك فيها قوات عربية تحت لواء ” التحالف العربي لدعم الشرعية”.

دون إغفال القضية التي حظيت باهتمام أكبر.. القضية الفلسطينية؛ حيث أكد عدة قادة عرب على حل الدولتين وفق مبادرة السلام العربية بجعل القدس الشرقية عاصمة لفلسطين وجددوا، بمناسبة ذلك، الدعوة، للقادة الأوربيين لتبني هذا الطرح وإقناع الإسرائليين بذلك. ثم انتقاد إيران الذي حظي بحصة الأسد خاصة خلال كلمة عاهل المملكة العربية السعودية سلمان بن عبد العزيز بانتقاده تدخلاتها في المنطقة والبلدان العربية.

مجملا، يمكن القول أن قِصر وقت القمة الذي لم يتعدى يومان ونصف لم يسمح بمناقشة كافة القضايا.. وحتى القضايا التي نوقشت فبعضها كان من جانب برتوكولي فقط والبعض الآخر كان راهنيا بحكم مايطرحه من إكراهات خاصة مسألة الهجرة غير النظامية التي تهم أوربا بالأساس وهاجس الإرهاب والتطرف.

كواليس القمة..

طرح تمثيل الدول على أعلى مستوى أكثر من علامة استفهام؛ إذ نجد حضور نصف القادة العرب بمعدل أحد عشر من أصل اثنين وعشرين حيث تخلف نصف القادة العرب عن الحضور وفضلوا بدل ذلك إرسال وزراء خارجيتهم أو نوابهم.. مما يعكس عدم أهمية القمة بالنسبة للبعض أو لأنهم يعلمون أنها لن تقدم أو تؤخر في الواقع ولن تتجاوز مخرجاتها البيان الختامي على أكثر تقدير.

ومن أبرز القادة الحاضرين بالاجتماع كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس والعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز. وفي هذا الإطار أكد البعض أن حضور قادة أوربيين وازنين مثل أنجيلا ميركل وتيريزا ماي كان شريطة عدم حضور شخصيات بعينها مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتبعات مقتل جمال خاشقجي التي لازالت تلاحقه، حيث حضر بدله العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز في أول زيارة رسمية له خارج المملكة منذ مدة.

وفي نفس السياق يشاع بأن نفس الشرط تحقق فيما يخص عدم حضور الرئيس السوداني عمر البشير الذي أرسل نائبه بدلا منه، والسبب أن البشير لازال معرضا للمساءلة من قبل المحكمة الجنائية الدولية وليس في صالح القادة الأوربيين الجلوس معه على طاولة الحوارخاصة أنهم جميها وقعوا على معاهدة روما.

وقد لوحظ غياب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإرساله بدل ذلك وزيره في الخارجية، وكما هو معلوم فألمانيا وفرنسا هما ركيزتا الاتحاد الأوربي وغياب تمثيلية من أعلى مستوى في مثل هذه القمة من قبل فرنسا يطرح علامة استفهام كذلك!

القادة الأوربيون لم يأتوا لأخذ الصور التذكارية..

الدليل أن تيريزا ماي كانت متحمسة للقاء دونالد تاسك عن الاتحاد الأوربي أكثر من لقائها القادة العرب؛ حيث أنها تستغل كل محفل يتواجد به الاتحاد الأوربي لترتيب أمور البريكسيت والتوصل لاتفاق مع الأوربيين حيث جمعها لقاء ثنائي مع دونالد تاسك على هامش القمة، وهو اجتماع أوربي-أوربي بعيدا عن القمة العربية-الأوربية!

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أيضا كان لها نصيبها من هذه القمة.. حيث أن كل ما يشغل بالها ليل نهار هي قضية المهاجرين غير النظاميين وفي هذا الإطار عرضت على دول عربية، خاصة بشمال أفريقيا، توطين المهاجرين غير النظاميين بها مقابل مساعدات مالية أوربية.

من بين الطرائف التي حدثت بنهاية القمة، وبالضبط بالمؤتمر الصحفي الذي تلا الجلسة الختامية، جواب رئيس المفوضية الأوربية على هاتفه على المباشر أمام عدسات الكاميرا بعدما تكرر رنين الهاتف أكثر من مرة.. وفي النهاية كانت المتصلة هي زوجة رئيس المفوضية!

طرح توقيت القمة أيضا الكثير من الجدل خاصة أنه يأتي بعد حادث إعدام شبان مصريين وأوضاع متأزمة على مستوى حقوق الإنسان.. ولغلق هذا القوس أكدت الرئاسة المصرية أنها لاتتدخل في القضاء! وفيما يخص التوقيت أكدت كذلك أن القمة مبرمجة قبل ستة أشهر.

وقد انتقد عدد كبير من المراقبين عدم تطرق القمة لأوضاع حقوق الإنسان بالدول العربية والتي طالما أكدت عليها دول بعينها من الاتحاد الأوربي، بل وصدرت انتقادات للأحداث الأخيرة بمصر من داخل البرلمان الأوربي نفسه..

الإجابة بسيطة؛ الأوربيون كان هدفهم واضحا منذ البداية.. تريدون قمة بدون مشاكل وإحراج اعطونا ماجئنا لأجله في سلام! ويتضح جيدا أن الأوربيين كانوا يعلمون جيدا مايريدونه من القمة وفي نهاية المطاف حصلوا عليه.

بينما الدول العربية لازالت مواقفها متباينة بشأن بعض القضايا ومصالحها متضادة في قضايا أخرى والجميع يعلم الأزمات التي تعانيها فيما بينها مما يفوت عليها فرصا هائلة من الانذماج الفعلي وتحقيق المصالح المشتركة.. ولنلخص الوضع سنعود لما قاله معمر القذافي ذات قمة عربية: “نحن العرب لا يوحدنا أي شيء باستثناء هذه القاعة التي نجلس فيها.”

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق