مدونات

القلب الطيب.. هل ينتصر في النهاية وهل يدل على شخصية ضعيفة؟

تجده يتعامل باحترام مع غيره من الناس، لا يجرح أحد ولا يهين أحد، القلب الطيب يتمنى الخير للجميع، يستحي من نطق كلمة لا، يحب تقديم المساعدة ويد العون لغيره، يبتعد عن المشكلات ويسعى لحل المشاكل بطريقة سلمية، كما قد يتنازل عن حقوقه أحيانا لإرضاء غيره.

للأسف في مجتمعنا نطلق على من تجتمع فيه هذه الصفات (درويش وعلى نياته!) حيث بات هذا الوصف للأسف يستخدم لوصف الأشخاص ذوي القلب الطيب الذين يفترض أنهم يمثلون (نموذج الشخص المثالي) سواء في أسرته أو مجتمعه أو بيئة عملهم.

معايير مقلوبة فرضها هذا الزمن، بحيث بات من نرى فيه السلوكيات الخاطئة، العنيف في تعامله مع البشر، السيء والبذيء في كلامه، المؤذي للمجتمع بتصرفاته، يوصف بأنه إنسان مثالي، يحبه الجميع ويسعون لإرضائه، بينما الشخص المؤدب صاحب القلب الطيب الذي لا يؤذي غيره ويحترم الجميع يوصف بأنه على نياته وصاحب شخصية ضعيفة، يعامله الجميع بجفاء، و يبتعدون عنه.

في زمن المعايير المقلوبة، يصبح الحق باطلاً، والباطل يتفشى كالفيروس ليتحول وكأنه هو السلوك العام، وهذه من أعظم مصائبنا في هذا الزمان.

كثير من الناس الذين من نوعية “على نياته” دلالته “على طيبتهم” يقعون في تجارب مؤلمة، يعانون من صدمات مجتمعية لا تتوقف، يخيب ظنهم في كثير من الناس، وقد يصابون بحالة اكتئاب لأن الوضع المثالي الذي توقعوه، تحول أمامهم للون أسود قاتم، بسبب أفعال أناس من النوع المناقض لهم.

الإنسان السوي، البريء في نواياه، الطيب في معاملته للآخرين، والذي قد يكون ذا شأن ومكانة رغم ذلك يصدم بالبشر، يعاني غالبًا من هذه الصدمات، لا لخلل فيه، ولا لأنه يقوم بشيء خاطئ يفترض ألا يفعله، بل لأن مشكلته تتمثل في مسألة واحدة لا غير، هو ينظر للناس بعين تحاول أن تصورهم له بأنهم يطابقونه في القناعات والمبادئ والثوابت والأخلاق وفي النظافة السلوكية.

القلب الطيب الذي نصف صاحبه بأنه «على نياته»، هو من بتعامله الراقي يجعل كثيرًا من «مرضى النفوس» يظنون بأنه صيد سهل، وأنه فريسة سينجحون في الاستفادة منها، خاصة لو كانت هناك منافع من وراءه، لأنهم يعلمون بأنه سيتعامل بأخلاقيات معهم، ولن يتعامل بخبث كما هم يتعاملون معه.

يعرف ذلك تمامًا، المسؤول الذي يمسك موقعًا هامًا، ويتعامل مع الناس بنظافة، ويلحظ كيف أن العالم يجتمع من حوله، وكيف أن البشر يخلقون له هالة لا مثيل لها، يحولونه وكأنه محور الكون، وحينما ينتهي عمله ويبتعد عن منصبه، وتغيب مصلحة الناس عن يده، يرى الجميع وقد انفض حوله، ومن كان يتملقه ويطالعه بعذب الكلام، قد يسمع بأنه يذمه ويشمت فيه.

هذا كمثال واحد، وقيسوا عليه الكثير من الحالات، بعضها قد تدخل في العلاقات الاجتماعية، كالصداقة والأسرة، وبعضها في مواقع العمل، وكلها حالات يكونلها وقع ثقيل في نفس من يتعامل بأخلاقيات وطيبة.

هل يفهم مما أقول أننا ندعو لأن يتحول القلب الطيب والنظيف وصاحب الأخلاقيات إلى شخص آخر؟! إلى إنسان يتعامل مع غير الأسوياء بنفس سلوكياتهم؟! إلى إنسان ينسى الطيبة، ولا يهتم بالأخلاقيات وينظر للناس دائمًا بنظرة الشك والريبة والاتهام؟!

طبعًا لا، لكن واقع الحال اليوم، يفرض على هؤلاء التعايش مع الصدمات حينما يخيب ظنهم بالآخرين، حينما يكتشفون الخيانة في العلاقة الإنسانية، وكيف أن فلانًا قربه كان لمصلحة، وعلانًا علاقته الدائمة التي انقطعت اليوم كانت ظنًا بأنه شخص «مسكين» يمكن أن «يلعب عليه».

هذا النوع الطيب من البشر عليه الحذر في علاقاته، عليه تقييم مدى قرب السيئين والمستغلين والممثلين والأفاقين منه، لا يجب عليه أن ينغمس ويندفع دون مكابح معهم، عليه أن يتعامل بأخلاقياته لكن ألا يجعلها مدخلاً له، ينفذ منه كل مستغل ومريض.

أصحاب القلب الطيب أبداً ليسوا «مساكين»، وأصحاب «النوايا الطيبة» أبداً ليسوا ممن ننظر لهم بنظرة شفقة واستخفاف واستصغار؛ بل هؤلاء هم النموذج الطبيعي للانسان السليم من الناحية النفسية، وهم اصحاب القلوب النظيفة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Khaled Tarawneh

كتابات ادبية ابداعية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق