مدونات

القضاء رسالة سامية .. أنزلوها منزلتها

القضاء رسالة سامية .. أنزلوها منزلتها .. لا يمكن أبدا إنكار قيمة رسالة القضاء، ولا يمكننا أن ننسى أن التخاصم من طبع البشر، وطالما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، من الطبيعي – في ظل نفوس غالبية البشر – أن ينجم عن هذه الطبيعة نزاع على الحقوق المتبادلة، منها ما هو بين وساطع كالشمس، ومنها ما يحتاج إلى الفصل من طرف ليست لديه أهواء في موضوع المخاصمة، ولا يميل لأي من الخصوم على حقوق الآخر، وما اللجوء إلى القضاء إلا لاقتضاء الحقوق والحفاظ عليها.

لقد كان الأنبياء والرسل يباشرون مهمة القضاء، وكانوا بذلك يعطون كل ذي حق حقه، كانوا يعلمون أن العدالة هي القيمة الأساسية التي شرعتها الأديان السماوية جمعاء، وكانوا على يقين بأن العدل أساس الملك، فأي ملك لم يقم على العدل فهو هش وقائم على أساس خرب يوشك أن يسقط حتى وإن زاد ارتفاعه، وقد جاء التوجيه الرباني إلى كل من وسده الله تعالى أمانة الحكم والقضاء في قوله تعالى إلى نبيه داوود ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾  فهذا التوجيه الرباني لهو إشارة إلى أن من تولى الحكم أو القضاء فهو بجعل من الله، أي أن الله ولاه هذا الأمر وإن تعددت الأسباب، ثم كان التوجيه بالحكم بين الناس بالحق بعيدًا عن الأهواء والميول، فكان لزامًا على الحاكم والقاضي أن يجتهد لتحري الحق، وألا يتعجل تعجيلًا مخلًا بالحقوق لكي ينتهي من جدول قضاياه، وألا يتراخى في الفصل بصورة تطيل من أكد النزاع بما يدفع صاحب الحق من اليأس في بلوغ حقه، وإذا اتبع القاضي الهوى بعيدًا عن الاجتهاد والبحث عن الحقيقة والحق فسوف يخرج عن الطريق المستقيم، وإذا خرج على الطريق المستقيم ضل وتولاه الشيطان، ومن ثم أصبح واقعًا ضمن المستحقين للعذاب الشديد لأنه حاد عم الحق لمصالح دنيوية نأت به عن العدل الواجب عليه.

القضاء رسالة سامية ..

إن القاضي لا يستمد سلطانه من الحاكم ولا يتبع هوى المتحاكمين، لأنه ظل الله تعالى في الأرض، أمره الله تعالى بأن يحكم بين الناس بالحق، وبالتالي هو لا يملك أن يجور إلا إذا طاوعت نفسه هوى الشيطان فجرها إلى الضلال وتاه عنه حسن الاستدلال، ولا يمكن أبدًا تصور أن يوجد القاضي لنفسه مبررًا بأن يحيد عن الحق والعدل بزعم توجيهات أو قيود أو تعليمات أو أوامر، لأنه يجب أن يحظى بشخصية لا تجعله خانعًا خاضعًا لأحد إلا لأمر الله تعالى، وها أذكر عبادة ابن الصامت عندما كان قاضيًا على الشام وأمره حاكم الولاية بأن يدفع بالحكم لصالح من يتبعه، فقال له عبادة ( إن الحق قد تبين لي أنه لصالح الآخر ) وكان هذا الآخر عاملًا بسيطًا لا يملك نفوذًا ولا سلطانًا، فقال له الحاكم ( والله الذي لا إله إلا هو لتدفع بالحكم لصالح فلان ) فرد عليه عبادة قائلًا ( والله الذي لا إله إلا هو لأدفعن بها إلى صاحب الحق ) فلما أغلظ عليه الحاكم ترك القضاء والولاية وعاد إلى المدينة، فلقيه أمير المؤمنين الفاروق عمر وقال له ( لم أنت هنا ؟! ) فقص عليه ما وقع من الحاكم فأمره الفاروق عمر بأن يرجع وقال له ( قبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك ) وأرسل كتابًا إلى حاكم الشام والذي ارتعدت فرائصه قائلًا له ( ليس لك إمرة على عبادة ابن الصامت ).

إن القاضي موقوف أمام الله تعالى بدون جاه ولا سلطان، لن ينفعه إلا عدله، ولن يغني عنه شيئًا لا الحاكم ولا المحكوم، فإن عدل نال رضوان الله وحظي بأعلى الدرجات لما تحمله من مشاق في تأدية رسالته السامية، وإن حاد فقد أوشك أن يذل ويخزى لأن ظلمه يتعلق بحقوق العباد، ولا أجد أروع من تصنيف الرسول الكريم للقضاة، فقال عنهم ثلاثة : واحد في الجنة واثنان في النار، أما من في الجنة فهو قد عرف الحق وقضى به، وأما الثاني الذي في النار فهو عرف الحق وجار، والثالث في النار أيضًا وهو الذي قضى عن جهل.

القضاء رسالة سامية تهدف إلى تجسيد اسم من أسماء الله تعالى على وجه الأرض، فهو العدل ويحب العدل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى