ثقافة وفنون

القصيدة التي أنقذت صاحبها

يُكتب الشعر غالبًا تعبيرًا عن حالة أو مكنون نفس لا يجد متنفسًا إلا الشعر، فلكل قصيدة حكاية. ولقصيدتنا هذه حكايتان ذكرتا في المراجع التاريخية المختلفة، وقصيدتنا -أراك عصي الدمع- هي من أشعار أبي فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة الحمداني، حاكم الدولة العباسية في القرن الرابع الهجري.

وللقصيدة روايتين سنذكرهم لاحقًا، الرواية الأولى تقول بأن القصيدة كتبها أبو فراس تغزل في محبوبته وطلبًا لحبها فكان مطلع القصيدة:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر   أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟

بلى أنا مشتاق وعندي لوعة       ولكن مثلي لا يذاع له سرُّ!

وتذكر تلك الرواية أن أبا فراس كان يحب فتاة لم تجب حبه بأي إشارة، ولأن حالة أمير مثله تمنعه من الاعتراف بالحب فكبرياء الملوك والحكام لا يخضع للحب، فكان من الضروري ألا يُعرف سره، ومن هنا كانت معاناة الشاعر.

لكن نقاد الأدب لا يعترفون بصدق هذه الرواية، ويرجعون القصيدة إلى حالة أسر أبي فراس الحمداني من قبل الروم في أحد معارك الدولة ضدهم، وأن مقدمته الغزلية لا تعني أن القصيدة مختصة بالغزل فالشعر العربي كان معروفًا بالمقدمة الغزلية أو البكاء على الأطلال حتى ولو كان موضوع القصيدة مختلفًا تمامًا عن الغزل. ولعل هذا يظهر في قصيدة البردة والتي كتبها كعب بن زهير في مدح الرسول والتي كانت مقدمته غزلية:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول   متيم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذا رحلوا   إلا أغن غضيض الطرف مكحول

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أبا فراس الحمداني كان فارسًا وشاعرًا له صولاته وجولاته في ميادين الشعر وساحات المعارك، وكان مقربًا من ابن عمه سيف الدولة الحمداني فكان مدافعًا عن بلاده بالشعر في السلم، فارسًا مغواراً في الحرب يصد هجوم الروم عن بلاده.

وفي حروبه التي خاضها ضد الروم وقع مرتين في أسر الروم، لكن بفضل شجاعته وقدرته القتالية العالية استطاع تخليص نفسه في هاتين المرتين من قبضة الروم، لكن مهارته القتالية هذه لم تمكنه في المرة الثالثة من تخليص نفسه من قبضة الروم، وأثناء وقوع أبي فراس في الأسر استغل الوشاة هذه الحادثة في إثارة الضغائن في نفس سيف الدولة تجاه ابن عمه، فتقاعس سيف الدولة عن تخليص ابن عمه من الأسر. وكان أشهر من أثار الفتنة بين سيف الدولة وابن عمه وحثه على عدم تحريره من الأسر هو المتنبي وهذا لخصومة سابقة بينه وبين أبي فراس.

أرسل أبو فراس رسائل عدة إلى سيف الدولة يطلب منه تحريره من الأسر، لكن محاولاته هذه باءت بالفشل. وقد فهم أبو فراس أن هناك ضغينة أثيرت في نفس سيف الدولة تجاهه فكتب هذه القصيدة وأرسلها إلى أمه لترسلها إلى سيف الدولة تستحثه على فك كرب ابنها. وكانت هذه القصيدة بمثابة الشفرة بين أبي فراس وسيف الدولة:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر   أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟

بلى أنا مشتاق وعندي لوعة      ولكن مثلي لا يذاع له سرُّ!

إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى   وأذللت دمعًا من خلائقه الكبرٌ

تكاد تضيء النار بين جوانحي     إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

معللتي بالوصل والموت دونه     إذا مت ظمآنًا فلا نزل القَطرُ

حفظت وضيعت المودة بيننا     وأحسن من بعض الوفاء لك العذرُ

وعندما أرسلت هذه القصيدة إلى سيف الدولة فهم مراد أبي فراس فجهز له الجيوش وفك أسره من قيود الروم، حيث شبه أبو فراس نفسه بالعاشق الأمين الحافظ لسر الدولة ورغم ذلك لا يأبه به سيف الدولة، كما يؤكد على شوقه الشديد لكن مثله لا ينبغي له إظهار الضعف، وهو تشبيه اقتبسه من صورة العاشق المتيم بمحبوبته ويمنعه الخوف من الاعتراف بالحب، كذلك هو قد أصابه الضعف في سجون الروم لكن أمير مثله لا يجب عليه إلا إظهار القوة وتحمل المصائب.

اكتسبت هذه القصيدة شهرتها من هذه الشفرة فتغنى بها الكثير من المطربين، لعل أشهرهم عبده الحامولي وأم كلثوم التي غنتها بثلاثة ألحان مختلفة، فأول غناء لهذه القصيدة من قبل أم كلثوم كان في العام 1926 وسارت فيها على ألحان عبده الحامولي حتى غنتها مرة أخرى في الأربعينات من القرن الماضي بلحن خاص بالشيخ زكريا أحمد. لكن أشهر لحن لهذه الأغنية غنته أم كلثوم هو لحن رياض السنباطي واستمد هذا اللحن شهرته من كونه اللحن الوحيد المسجل تلفزيونيًا لهذه الأغنية.

 

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق