ثقافة وفنون

القصة الحقيقية وراء الرقصة الأفريقية التي غزت العالم

في القارة الأفريقية حيث تجتمع كل الغرائب والعجائب التي لا يمكن أن يصدقها عقل الإنسان، ظهر فيديو تم تداوله على نطاق واسع بمنصات التواصل الاجتماعي، وتحول إلى موضوع يتهكم به البعض على الآخر في مواضيع الكرة وغيرها. هذا الفيديو الذي اتخذ حيزًا كبيرًا من اهتمام الناس مؤخراً يرجع إلى مجموعة مكونة من رجال أفارقة من ذوي البشرة السوداء، بلباسهم الأسود الرسمي، وهم يحملون تابوت لميت بمنطقتهم، لكن المثير للاستغراب أن هذه المجموعة تحتفل بالميت في طريقه إلى الدفن، بأداء الرقصة الأفريقية وقد سميت بحاملي التابوت الراقصين، رقصتهم الغريبة هاته لاقت انتشارًا كبيرًا جداً عبر ربوع العالم كله، وجعلت العديد من رواد مواقع التواصل يندهشون لهذا الموقف الذي جمع الاحتفال بالموت.

في بلد أفريقي متخلف نوعاً ما كغانا، أحد دول أفريقيا حيث الفقر والبطالة والتقاليد القديمة، المعتقدات وعبادة الأصنام والحيوانات، ظهر هذا الفيديو الغريب لهذه المجموعة، ومعه ظهر بأن القارة السمراء ما تزال بحاجة إلى الكثير من الأمور لكي تصبح في مصاف الدول المتقدمة، أو التي تحلم بالتقدم، حيث تكشف تحقيقات أن هذه المجموعة من حامل التابوت الراقصين، قد ظهرت لأول مرة في العام 2015 في مقاطع فيديو مصورة على منصة يوتوب، لكنها لم تلق رواجًا كبيرًا كما اليوم، واعتبرت المسألة مجرد تقليد أفريقي نادر جدًا وعابر، لكن الظاهرة متفشية بشكل كبير جداً في هذا البلد وبلدان أفريقية مجاورة.

هذا الحدث الذي وثقته سيدة من أوروبا، ذات أصول أفريقية كانت في زيارتها لجمهورية غانا، وقد كان سبب تلك الزيارة حضور مراسيم جنازة حماتها، وهي صاحبة قناة “ترايفيلين سيستر”، حيث تقول في مقابلة صحفية: «سافرت إلى غانا لحضور جنازة حماتي حيث شهدت أداء مذهلاً لم أعرف مثيلاً له سابقًا، إذ يُكرّم الراقصون المحترفون بكلّ فخر «العودة إلى الوطن» عبر حركات جسدية مثيرة للإعجاب، وأقدام جميلة رشيقة، وقوة بدنية مذهلة تجعل أي عائلة غانية فخورةً بفقيدها»، وقد أعجبت بهذه الرقصة التقليدية الأفريقية التي سوف يعرفها العالم بعد ذلك وتصبح متداولة على نطاق واسع.

ومع الانتشار السريع لهذه الرقصة وتداولها من طرف المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، سارعت العديد من القنوات إلى التطرق لهذا الموضوع، وفي مقدمتهم “بي بي سي نيوز أفريكا” التي أعدت بورتري مثور عن حاملي التابوت الراقصين بدولة غانا، فمن خلال الفيديو الذي تم تصويره لهذه المجموعة، يظهر إنها تتكون ما بين ست إلى أربعة رجال، وتختلف الجنازة حسب الحسب والنسب، الشهرة والمال، بلباسهم الرسمي وطرابيشهم التي تشبه خوذة العساكر.

تقوم هذه المجموعة برفع المعنويات في الجنازات الغانية عبر رقصات باهظة الثمن يحملون فيها التوابيت، وذلك من أجل تجاوز الحزن الذي يسيطر على العائلات والأسر خلال فترة الموت، حيث أصبحت حرفة ومهنة يتقاضى عليها أعضاء الفرقة أموالًا من أسرة الميت، حيث إن العائلة تقيم الرقصة التي تقوم بها المجموعة لكي تدفع لها المال، فكلما كانت الرقصة جيدة، إلا وزاد السعر، وفي هذا تكريم لأحبائهم وإرسالهم بأناقة إلى مثواهم الأخير، لينعموا بالراحة الأبدية بسلام حسب زعمهم، هذا الحفل قد يستغرق ثلاثة أيام أو أكثر، ويحصلون بموجبه على 2000 يورو، أي ما يعادل 13000 سيدي بعملة دولة غانا، غير أنه يبقى رقمًا قابلًا للارتفاع حسب أداء المجموعة.

وقد تحدث بنجامين أيدو، مؤسس إحدى هذه المجموعات الحمالين الأكثر شعبية في غانا للصحافة، على أن هذه الثقافة منتشرة بشكل كبير جداً في هذا البلد وبلدان أخرى، والناس يتعاطون لها بشكل كبير، مؤكدًا على أنها عقيدة راسخة لديهم، فيقول: «يأتي الزبون ويقول: «أَحبّ الأب الرقص عندما كان على قيد الحياة، دعه يرقص مرةً أخرى»، هذه الرقصة تصاحبها الموسيقى والألحان، التي تعتبر مكوناً رئيساً وأحد الركائز التي تقوم عليها، وأحياناً يفضل البعض ألحان الريغي -نوع من الموسيقى المحلية- بينما يختار آخرون سماع الإنجيل، لأن المسيحية تسيطر على مناطق مختلفة من دولة غانا، إلى جانب الدين الإسلامي الحنيف.

لكن هذه الرقصة الأفريقية المقصودة لا تخلوا من طرائف وكبوات، فغالبًا ما يسقط التابوت من أيديهم ويتعرض للكسر أو الخدش، الأمر الذي قد يغضب أسرة الميت، لكن سبب شهرة حاملي التابوت الراقصين ستكون على التيك توك سنة 2020، حين نشر لهم أحد الأشخاص فيديو لرقصتهم، وهو يتهكم على فيديو يظهر فيه متزلج يحاول القيام بقفزة خطيرة، في إشارة منه إلى أنه قد يلقى نفس مصير الذي يحملونه في التابوت، هذا الفيديو ينتهي على إقاعات رقصة المجموعة وأنغام أغنية أسترونيميا للمؤلف توني إيجي، في إشارة إلى فشل محاولة المتزلج، ومنذ ذلك الحين والفيديو يغزو مواقع التواصل الاجتماعي وقد اشتهر في العالم كله.

اقرأ أيضًا : وصايا الفيلسوف برتراند راسل

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق