مدونات

القرية الكونية أصبحت «كورونية».. ماذا قدمت العولمة غير الدمار؟

كشف فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19»، عورات العولمة وآثارها الكارثية على المجتمع البشري.

وضع الفيروس الإنسان أمام خطرٍ مُحدقٍ لا محال، فظهرت الإنسانية وكأنّها على شفير الاضمحلال.

وكشف الوباء عن حالة ترنّح للإنسانية بصورة خطيرة، لدرجة أن إنسان هذا العصر يحتاج إلى تذكيره بإنسانيته الَّتي أعطته الوجود وحب الحياة.

ولأن الإنسان راغب في استمرار الوجود، والقدرة على العيش في حياة آمنة، تبيَّنَ للعالم، أنّ الفيروس تحدّى البشريّة، ووضعها في مواجهته.

واتخذ شكل التحدي التَّضامن والتَّعاون والأُخوّة، للعبور من الأزمة. فإما نعيش معًا أو نموت معًا.

هل نجحت الإنسانيّة في التحدي

واقع مُستجدّ جعل النَّاس تعيش تحت رحمة وباء قاتل، تحاول الأغلبيّة أن تتأقلَم، بالرُّغم من الصُّعوبات القاسية الَّتي طرأت.

رافق الإعلام ووسائل التَّواصل الجائحة، ممّا سبّب إرباكًا لدى البعض، وعليه أثّرت تلك المعلومات على الصِّحة النَّفسيّة والعلاقات الاجتماعيّة.

كما أَخضَعَ وأَجبَرَ هذا الوباء غالبيّة النَّاس إلى الانكفاء في منازلهم، وعن الحَدّ من الإنتاجيّة لكثير من الأعمال الَّتي يحتاجها المجتمع.

وشكّلت الظاهرة صدمةً كبيرة، حاول بعض النَّاس الاستفادة إيجابيًّا من الحجر المنزليّ، بالرُّغم من بعض السَّلبيّات.

نعم، كَبَّلَ الوباء البشريّة جمعاء، فنشرَ الخوف والذّعر والكآبة والإحباط، وجمّدت الاحتفالات والتَّقاليد، وتعثّرت الأعمال والنَّشاطات، وانخفضت المداخيل بشكلٍ مرعب.

وازدادت أسعار أغلب المواد، وبدأ إنفاق المُدخرّات، وازداد الفقر والجوع، ومن ثمّ قضى على ألوفٍ من البشر.

نعم، خائفةٌ هي البشريّة على تغيير مسار مصيرها. إنّها تترقّب بقلقٍ وخوفٍ. هل سيحسّن الإنسان نمط الحياة، بإعادة البوصلة إلى اتّجاهها الصَّحيح و القويم، أَم سيتابع انقياده نحو نزواته الدنيئة.

إننا بحاجةٍ اليوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى إلى التَّماسك الاجتماعيّ للحفاظ على السِلم والأمن العالميّ، فلدينا جمعيًا مصير مُشترك.

أَجبَرَ وأَلزَمَ هذا الوباء التَّرابط والتَّشبيك بين سائر البلدان من أجل حماية الإنسان.

العولمة والقرية الكورونية

تثير أزمة كورونا تساؤلات حول الحقوق والحريات، ومدى احترام الدول الديمقراطية للمبادئ التي نادت بها طويلًا.

بالإضافة إلى تساؤلات بخصوص فيروس كورونا كونه مفتعلًا من عدمه، بجانب انتقادات عن العولمة وآثارها الكارثية على المجتمع البشري.

ورغم كل التوقعات الإيجابية والمبشرة بخلق عالم جديد، إلا أن العَولَمَة قدمت نموذجًا لقرية كونيّة، أصبحت «قرية كورونيّة» لم تحقّق التَّفاهم والتَّضامن حول المصير المُشترك.

أَلَم تُقصي البلدان الفقيرة والنَّامية؟ وتلك الحضارة المتوحّشة الَّتي تُقيِّم الإنسان على أساس قُدُراتِه الاقتصادية و الماديّة، لا على إنسانيّته؟.

يتساءل الكثيرون أين هي تلك الاختراعات القادرة على مواجهة الأمراض والكوارث الفتاكة، في عالم باتَ فيه الإنسان يتحكّم بكلّ شيءٍ.

ألَم يُربك فيروس كورونا، الَّذي يشابه نَزلَةَ بردٍ قويّةٍ تستهدف الجِّهاز التَّنفسيّ، البشريّة بأسرها وجعل قواعدها وقِيَمَها تهتزّ وتتزعزع؟

ألم يظهر الإنسان ضعيفًا أمام هذا الوباء مهما تظاهر بأنّه القويّ الجبّار؟، أَلَم يحتاج خلال هذه الكارثة القويّة إلى الاحتياجات البسيطة، من خلال العَون والتَّعاضد والتَّكاتف؟

أمّا الأجوبة فتنتظر تفسيرات وتحليلات ومقاربات من أصحاب المسؤوليّة المُباشرة.

العولمة عاجزة أمام كورونا

حيث لاحظ عددٌ كبيرٌ من سكّان الكرة الأرضيّة، العجز الفاضح في مواجهة الفيروس، ليس لأنّه انقضَّ على البشريّة بأسرها بسرعةٍ فائقةٍ وغير ظاهرةٍ للعيان، بل لأنّ معه تبدَّدت كلّ الآمال بعالم سيطر عليه العَمى، والاعتداد بالنَّفس، وحبّ السَّيطرة، والعنجهيّة والفوقيّة.

وثبُت بأنّ الفيروس الكوكبي يستطيع السَّيطرة كليًّا بقدرةٍ ذاتيّة، ليس في فلك الأرضي وحسب، بل حتّى في عالم الفضاء الواسع.

رأينا في بداية تفشّي الوباء الاستهتار واللامبالاة و التفرّد، وتُرِكَ كلّ بلدٍ يعالج مصيبته بنفسه. لكن عندما انتشر الوباء في العالم أجمع، لمسنا التَّعاضد بين الدول.

هل هذا نابع من فضيلة التَّعاضد أم من مصالح سياسيّة واقتصاديّة مُشتركة. والسؤال هل فقد الإنسان إنسانيّته؟.

هل أدركَ أنّه نَقَضَ العهد مع الخالق؟، مع أخيه؟، مع البيئة؟. هل أدركَ الإنسان أنّه ليس وحده سيّد الكون وصاحبه؟

إذا كان الإنسان لا يعيش سلامًا مع الله، فلن تنعم الأرض بالسَّلام بالمُطلق. وللأسف يتفاعل الإنسان مع الكون بطريقةٍ عشوائيّةٍ ومؤذيةٍ.

أَلا يجب أن يتذّكر أنّه زائر على هذا الكوكب، وعليه أن يترك أثرًا جميلًا، ومخلّفات صحيّة، وليس أشياء مضرّة وملوّثة؟

بعد كرونا: عالم وليد في طور التكشل

يعيش عالمنا الفاقد لسلامه الحقيقي لحظة فاصلة، حيث الإنسان يدمّر الكوكب بالقضاء على البيئة، واستمراره الادّعاء حول حسنات العَولَمَة.

وأسفرت الإنتاجيّة الاقتصاديّة، المبنيّة على نظامٍ اقتصاديٍّ متوحِّش، عن تلوّث قاتل، انخفض بشكل ملحوظ منذ تفشي الوباء.

كل ذلك دفع الناس للحديث عن العالم بَعدَ كورونا غير ما قبلَه، أيّ عن نظامٍ جديدٍ في طور التشكل.

نعم، المواجهة تقوم بالعودة إلى القِيَم والإيمان، كي يستعيد الكون السَّلام، وللمُحافظة على إنسانيّة الإنسان.

الإنسانيّة مدعوّة إلى القَفز إلى الأمام للحَدّ من جعل مصير البشريّة مجهولًا، بفرض القوانين والتَّشريعات، الَّتي ترفض تدمير الحياة بالتلظي وراء حسنات العَولَمَة المزعومة.

لا للعَولَمَة الَّتي تقضي على المحبّة والرَّحمة والمساواة والتَّعاضد، بل نَعَم للحياة، نَعَم للأمان، نعم للبقاء. وتبقى الحياة أقوى من الموت.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق