سياسة وتاريخ

القدر المقدور: حينما تبدو الخيانة بطولة

في صاعقة جديدة من صواعق 2020 التي لا تنتهي، أعلن البيت الأبيض على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن الكيان الصهيوني والإمارات قد اتفقا خلال محادثة هاتفية بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بصدد توقيع اتفاق نعته ترامب بـ”التاريخي” من شأنه تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل و”يزيد من الاستقرار في الشرق الأوسط”، وبشر رئيس العالم أن دولاً أخرى في الشرق الأوسط ستحذو حذو الدولتين.

وحتى تبدو الخيانة بطولة ويتقبلها الناس، أعلن نتانياهو وبن زايد أن اتصالهما الهاتفي قد أوقف مخططات الحكومة اليمينية لضم الضفة الغربية وأغوار الأردن؛ وهو ما سيمنح -بحسب العرب الصهاينة-الفرصة لمفاوضات السلام حتى تعيش شعوب المنطقة جنباً إلى جنب بعيداً عن الصراعات والحروب، ويفتح مجالات التعاون بما ينشر الرخاء بين بلدي هذا الجزء المضطرب من العالم.

وقد أعلن مبعوث السلام جاريد كوشنير، أن وفدين إسرائيلي وإماراتي سيلتقيان قريباً في الولايات المتحدة لمناقشة بنود الاتفاق الذي أطلق عليه “الأجندة الاستراتيجية للشرق الأوسط”، وسيشتمل على بنود اقتصادية وتنسيق مخابراتي وجوانب دبلوماسية؛ تتمثل في إنشاء سفارة لكل بلد على أراضي الآخر، وبحث إجراءات إصدار التأشيرات، والتعاون المشترك في إنتاج لقاح لفيروس كورونا.

جاء الاستنكار لهذا الانبطاح الجديد من تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل من نظام عربي من الفلسطينيين أصحاب الشأن الذين تناسهم الجميع وقدم قضيتهم قرباناً على مذبح السلطة، فوصف عباس زكي ممثل منظمة التحرير في لبنان، أن الاتفاق الإماراتي “خيانة” للقضية الفلسطينية والعرب والمسلمين. ووصفت الدكتورة حنان عشراوي المتحدثة باسم منظمة التحرير، الخطوة الإماراتية بأنها “مكافأة لإسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، والفلسطينيون لا ينتظرون مكافأة من أحد ولن يكونوا ورقة تين لأحد”، فيما وصفت حركة حماس اتفاق نتانياهو-بن زايد بأنه “طعنة غادرة” في ظهر الشعب الفلسطيني.

بادئ ذي بدء لا ينطلي على عاقل أن بن زايد أقدم على خيانته العلنية الشنعاء إنقاذاً للقضية الفلسطينية، فمن إذاً اشترى بيوت المقدسيين بملايين الدولارات وسلمها للمستوطنين؟ ومن قصف غزة بالتعاون مع طيران الصهاينة، أليس نظام آل نهيان؟

وثانياً، وقف ضم الضفة ليس إكراماً لوساطة بن زايد بعد تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل فالنظام الإماراتي الحاكم لا ثقل له في الشرق الأوسط بل ينفذ ما يمليه عليه رضا السيد الأمريكي  وهو الهدف الأول لهذا القرار الشيطاني.

ثالثاً: قدم بن زايد خدمة جليلة لنتانياهو وهو في وضع حرج للغاية بسبب اتهامات الفساد والفشل في مواجهة كورونا ورفض مخطط ضم الضفة الغربية وأغوار الأردن، ما سيرفع شعبيته في أوساط الإسرائيليين، ويجعل نتانياهو يُبقي على بن زايد بعدما قدم كل فروض الخنوع والمذلة.

رابعاً: تضييق الخناق على حركات المقاومة المناوئة لدولة الاحتلال، وفي القلب منها حماس التي ستزداد مهتمها صعوباً إن لم تستحل بعد هذا الاتفاق، وعليها أن تختار إما السير في ركب الخيانة أو القضاء عليها.

الهدف الأهم من جريمة تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل تركيع الشعوب العربية وجعلهم يتأكدون أن إسرائيل جاثمة على صدورهم لأبد الآبدين؛ لأن حرس الحدود من الأنظمة العربية القدامى والجدد سينكلون بالشعوب الناقمة على الصهاينة أشد التنكيل.

لكن ما فات الأنظمة العربية أن ما تفعله هو خطوة جديدة نحو الهاوية، ومزبلة التاريخ تنتظرهم مع رعاتهم الصهاينة عاجلاً أو آجلاً.

اقرأ أيضًا: ليس للوطن أصدقاء.. للوطن مصالح

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق