سياسة وتاريخ

القاهرة كابول… للتاريخ

القاهرة كابول. أين الحقيقة؟

تسعى الدراما المصرية وبوتيرة متسارعة منذ أحداث يونيو 2013 لتشكيل مخيلة جمعية للشعب المصري من ناحية وللعالم العربي من ناحية ثانية بما يتماشى مع سياستها مع الجماعات الإسلامية باعتبارها مصادر للقلق في المنطقة – بحسب توصيفها – حتى ولو كانت تلك الصورة السينمائية لا تمت بصلة للأحداث الحقيقة التي عاينها العالم وعايشها منذ وقت ليس ببعيد.
وإذا استحضرنا مقولة جورج اورويل “إذا لم يكن من المرغوب فيه أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي، فكل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حينما يستلزم الأمر.” فحينها سنفهم جيداً لماذا تريد السلطة المصرية استثارة حماسة وطنية من أحداث وهمية؟
وما هي أهمية تزييف التاريخ بالنسبة للشعوب.

ولكن هذا لا يمنعنا بحال من تصحيح الصورة التاريخية حتى تسقط الحقيقة مع التوزانات السياسية وتضيع من عقول الأجيال القادمة

يتناول المسلسل الرمضاني “القاهرة كابول “كما في تصريحات سابقة لأبطال العمل الدرامي”، يرصد المؤامرات التي تتعرض لها المنطقة العربية ومصر على مدى أكثر من ثلاث عقود.

وكما هو واضح سيصور العمل حتمًا كابول كمصنع رئيس لإنتاج مثل تلك المؤامرات على المنطقة العربية، ولكن ما القصة؟

ولماذا كابول؟! وما حقيقة الأمر؟

لإجابة هذا التساؤل يجدر بنا أن نعود مليًا إلى الوراء قليلاً، في زمن الحرب الباردة:

الحرب الباردة  1947-1991

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا النازية في أيلول\سبتمبر 1945  وانتصار الحلفاء بقيادة أمريكا ظهر صراع آخر لم يكن أقل هوادة من الحرب ذاتها، ألا وهو ما سمي (بالحرب الباردة) وهو التوتر السياسي والعسكري الذي كان سائداً منذ مؤتمر يالطا 1945 بين المعسكرين الغربي بقيادة أمريكا والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، واستخدمت فيه الحرب بالوكالة إلى جانب سباق التسلح العسكري والتكنولوجي، والذي  استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى غزو أفغانستان من قبل الاتحاد السوفييتي.

وبعد كثير من الانهاك الذي حل بالطرفين دون أن ترجح الكفة لأحدهما اقترح  زيبغينو  بريجنكسي مستشار الأمن القومي الامريكي  آن ذاك العملية سايكلوم  عام 1977بهدف القضاء على الاتحاد السوفيتي ودحره بلا عودة فما القصة؟

الجهاد هو الحل!

كانت الإشكالية القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حينها هو عدم ارتضاء القسمة  على محاور النفوذ إلى جانب اختلاف الأيدلوجيا الحاكمة لكل من المعسكرين الشرقي والغربي،

ولأن كثير من المحاور بدأت بالفعل تقع سيطرة الاتحاد السوفييتي وتخسر أمريكا مزيد من مناطق نفوذها بعد كثير من العمليات الفاشلة كعملية خليج الخنازير وسقوط شاه إيران، بدأت الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة العربية بإيجاد حلول مختلفة، تتمثل في إغراق الجيش الأحمر في مستنقع سحيق لا يخرج منه إلا جثة هامدة لا تقوم له قائمة بعدها.

فكيف حدث ذلك؟

بدأت الولايات المتحدة بتشجيع المجاهدين الأفغان وإمدادهم بالمال والسلاح وفي عام 1985 اجتمع ستة من قادة  المجاهدين الأفغان مع الرئيس الأمريكي  رونالد ريجان في البيت الأبيض ووصفهم حينها بدعاة الحرية وأشباه الآباء المؤسسين لأمريكا، ولم يلبث الأمر طويلاً حتى انضم الحلفاء العرب لدعم الجهاد الأفغاني بكل قوة.

فأعلنت المملكة العربية السعودية دعمها الكامل للمجاهدين وأمدتهم بالمال عن طريق مؤسسة (اللجنة السعودية للإغاثة) بقيادة الأمير سليمان بن عبدالعزيز (ملك السعودية اليوم)، كما بثت المملكة أبواقها الإعلامية والدينية في الحث على الفريضة الغائبة وإنقاذ بلاد المسلمين من المحتلين، وسهلت للمتطوعين العرب الوصول إلى بيشاور التي أضحت آن ذاك مرتعًا لوكالات الاستخبارات العالمية.

وأرسلت مبعوثين غير رسميين مقربين من العائلة المالكة لتسهيل الأوضاع ومتابعة النفقات على رأسهم الفتى الثري أسامة بن لادن.

ولم تنسى مصر نصيبها من المشاركة، فقد أقام الجيش المصري معسكرات التدريب في  باكستان وتولى تسليح المتطوعين الذين أتو من كل حدب وصوب، ولم ينسى حينها السادات أن يجتمع مع قيادة المجاهدين الأفغان في القاهرة ويؤكد دعمه المباشر لهم.

نجحت العملية سايكلوم، وخسر الاتحاد السوفييتي خسارة مريعة، وخرج يجر أذيال الهزيمة عام1989، ويسقط بعدها الاتحاد السوفييتي بعامين وبلا رجعة.

وعاد المجاهدون العرب إلى بلادهم ليقابلوا بوجه غير الذي خرجوا به، فقد أرادت دولهم إحالتهم إلى التقاعد وما أرادوا لتنشأ بينهم المشاكل والصعاب.

القاهرة كابول... للتاريخ

بداية الخلاف

نشب الخلاف بين المجاهدين العائدين من أفغانستان والحكومة السُّعُودية أول الأمر بسبب سماح المملكة للقوات الأمريكية بإرساء قواعدها في الجزيرة إبان حرب الخليج 1991، وصرح كبار قادة المجاهدين آن ذاك وعلى رأسهم ابن لادن برفضهم دخول القوات الأمريكية المملكة فضلاً عن التعاون معها على  قتال المسلمين وهو ذات المبدأ الذي دعمته المملكة سابقاً في حرب أفغانستان، فلماذا خالفته؟

كان هذا هو السؤال الذي طرح من المجاهدين والذي قابلته المملكة بردود قاسية، مما دفع العائدين بزهو النصر على ثاني أكبر قوة في العالم آن ذاك إلى استخدام القوة في وجه الحكومة التي اعتبروها حليف لليهود والنصارى وبدأت سلسلة هجمات كبيرة على القوات الأمنية والتي استطاعت الحكومة دحرهم نهاية الأمر ووصمتهم بأعداء الدولة الخارجين عليها، ليلمم البقية منهم شتاتهم وينتقلوا إلى السودان التي رحبت بهم ووفرت لهم ما يحتاجون مقابل الاستثمارات السخية التي ضخها ابن لادن في البنية التحتية للسودان المنهكة.

بدأ ابن لادن ورفاقه في تلك المرحلة تنظيم المجاهدين في قاعدة بيانات استعدادا للقادم، وكانت السودان هي البوصلة لتوجه المجاهدين الذين لفظتهم بلادهم بعد اعتراضهم على سياسات الحكومات العربية، وكان هدفهم آن ذاك دحر الوجود الغربي من البلدان الإسلامية وهو ذات المبدأ الذي خرجوا له أول الأمر في أفغانستان!.

القاهرة كابول... للتاريخ

نهاية اللعبة

أدرك المجاهدون العرب في نهاية المطاف بعد حملة اعتقالات وتنكيل كبيرة طالتهم في مختلف الدول الإسلامية بأنهم لم يكونوا سوى أداة لترجيح كفة الولايات المتحدة على عدوها الشرس الاتحاد السوفيتي، وأن الحكومات العربية آن ذاك لم تكن سوى حليف تجمعها مصالح مع الجانب الغربي فجندتهم لحسابه ثم ما لبثوا وأن حققوا هم الدور المنوط بهم وآن لهم أن يلتزموا الصمت ويعودوا أدراجهم وإلا فالعواقب ستكون وخيمة عليهم!

وحيال ذلك انقسم المجاهدين قسمين:

القسم الأول: انضم مع ابن لادن في ما سمي بقاعدة الجهاد العالمي وبدأوا في مهاجمة المصالح الأمريكية في المنطقة العربية، ثم ما لبثوا أن هاجموا أمريكا في عقر دارها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وحينها أطلق مصطلح الإرهاب الإسلامي والذي تبنته دول العالم حتى اللحظة الراهنة؛ لتصم به كل إسلامي يخالف سياسة  الحكم المتبعة.

القسم الثاني: عاد إلى أفغانستان من حيث آتى كي يستكمل مسير دحر القوات الأمريكية كما دحر سابقاً القوات السوفييتية!

وما زالت اللعبة التي صنعتها أمريكا قائمة تضج مضجعها حيناً، وتوفر لها ولحلفائها مبررات الاستمرار في متابعة مصالحهم حيناً آخر!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى