ثقافة و فنون

القانون الذي يكتب بلغة الإنسانية

القانون الذي يكتب بلغة االإنسانية ، هو القانون الذي يجب أن يسعى له الإنسان

 

كل عاقل لديه من المكونات السلوكية والأيدلوجية ما يدفعه نحو تأكيد ذاته، أو ربما ما يجعله يستسلم للأنماط العامة فيجنح إلى ما يميل له كل الآخرون، والفرد بصنعه لقوانينه الخاصة المنبثقة افتراضا من دساتير الضمائر يختار المضي تحت سيادة المجتمع، والمجتمع المؤلف من أفراد لهم ميزة العقلانية هم ضمانته لاستمرار التواؤم والتحضر، والتحضر تصنعه الشعوب القادرة على احترام قوانينها، وقانون أو دستور الإنسان ليست الغاية منه وفقط تكريس العدل والفصل في الحقوق وإنما لابد أن يستثمر هذا القانون في الفرد ومحيطه.

وهنا تبدو جملة “استثمار القانون في الفرد ومحيطة ” جملة وشيكة الإدراك فقط لو أننا أضفنا شرحا يعي مقدار الدقة التي تلمح لها العبارة، إن الفرد في مجتمعه لبنة ومقدار صلابتها بمقدار إدراكه لدوره الذي يحتم عليه أن يكون مكونا أساسيا وهاما لجسم المجتمع، وما يحدد لكل فرد دوره ليس سوى القانون، العقد الذي يبرمه الإنسان مع محيطه ليستمر العطاء وتدوم الإفادة، والاستثمار الصحيح المنتج لمجهود حضاري لايتم إلا مع شعور الفرد بأهميتة وأهمية المسعى والمجهود الذي يبذله والمسير الذي يخطو نحوه.

لاشك بأن العاطفة  تداخلت وعمل العقل فأنتجت روحا للقانون والتي تخدم مايساق تحت مسمى الضمائر.

 

فأصبح من الصعب علينا أن نتقبل منطق العاطفة وحده الذي يخبرنا مثالا بوجوب الانصياع لكل ضغط، ودون أن نقلل من رمزية المنطق التي تميل له العاطفة لابد أن نكتشف منطقا للعقل، والذي قد يعلن رغبته في رفض كل ضغط، لكن ما يستعمل هذا الصراع في أفقه الصحيح هو هذا الضمير الذي يمكنه إما ترجيح هذا أو ذاك أو الخلط فيما بينهم  بنسب ما تتيح له استنتاج عقلانية قلما نجدها في البشر.

 

القانون الذي يجعل من الضمير محركا لمنطقه هو القانون الذي يستثمر في الضمير وصاحبه.

 

فمثلا نجد الرقي الإنساني في أبهى صورة له عندما نجد مجتمعات تنتصر لقضايا عرقية وإن كانت تلك القضايا لا تمس لهم طرف بالضرر، ومع ذلك قد تجبرهم قوانينهم على التدخل وفورا ليس لشيئ سوى إعلاء قيمة إنسانية، ونجد أيضا ثقافة مجتمعية تتقبل الاختلاف لأن قوانينها حثت على التنوع وقبول الآخر بقيمتة الإنسانية وليس بلونه وعرقه وأصله، تلك المجتمعات التي تقدم يد العون للآخر دون شرط قد أصلت ثقافتها على تلك المبادئ والتي تتلخص في القيم المنادية بحقوق الإنسان، مجرد مجتمعات شعبوية أدركت القيمة من خلف الانحياز للإنسانية فكتبت قوانينها بتلك اللغة ولا غيرها ، برغم  أننا قد نجد من حكوماتهم ما يغاير تلك الصورة وهذه الرمزية تماما.

 

لغة القانون يجب أن تكون لغة للحكمة وهي اللغة التي تميل لها ولا تخطئها العدالة

 

العدل أساسا للملك وحامي العدالة الأول هو القانون ، ورجالات العدالة الحقيقية قلائل جدا في هكذا زمن كالذي يستأنف أعمارنا الآن وغدا، ولقد كان الصوت الأعلى دائما مقامرا إلا إذا هدأ من بعد صخبه بنتيجة ذات قيمة وذات هدف، والصوت المستعد لنطق لغة الحكمة هو الصوت الذي هدفه عدالة، فما بالنا لو أن مجتمع بأكمله يتكلم بهكذا لغة معها تتحقق قيمة القانون، القانون الذي يكتب بلغة المجتمع والشعب والإنسانية.

 

وتلك اللغة لا يجب أن تخطئها عقلانيتنا، بينما وللأسف لابد أولا أن ننقذ عقلانيتنا  الضائعة من لا عقلانيتنا المسيطرة.

 

والواقع المرير يطرح أسئلته على نحو مفرط ، فكيف سنطالب العقول بعقلانيتها بينما هي أشد إيمانا بلاعقلانيتها ؟ كيف سيحترف أي منطق تلاحمه مع الواقع بينما الواقع يتوقف تصديقه على مرحلة إعجاز أو وعد بالإعجاز؟ لمتى نقدس تلك العقول التي تدعي الحياد ولمتى سيتوقف رد فعلنا على تأكيد تبعيتنا  بأفكار تكرس لتك التبعية المطلقة؟ لماذا لا ننحاز للنقد والمسائلة وطلب التبيان والتدقيق ؟ لماذا نصدق من منطلق التساوي فالكل يصدق وعلينا نحن كذلك أن نفعل؟

كانت ولا زالت تلك لاعقلانيتنا احتواء تصوراتنا السطحية للمفاهيم السطحية واختزال المضامين من  أصول ومعارف وحقائق بالصورة التى يتم السماح لنا برؤيتها ، برغم أن الرؤية لم تعد بإستطاعة رقيب أو بمقدرة مانع، للأسف إنها المسألة التي تستحيل معها العقلانية لأن المعطيات الممنوحة مقبولة سلفا وتؤخذ من قبلنا بالصفة المقدسة فلا توضع موضع النقد.

 

لقد رأيت شعوبا تقفز فوق أزماتها فقط لأنهم يمتلكون تلك القدرة، وأتسائل ما دوافعهم غير أنهم أرادوا فعل ذلك.

 

إنها رؤية ليس أكثر لكنها مدروسة الحركة ومقبولة بمقدار رد فعل  متوقع ومحسوب، فما الذي يتوقف عليه إنطلاقنا وعبورنا لمنغصاتنا التاريخية سوى تصفيه هذا الواقع بكل أركانه، هذا الأمد اللا تفكيري والتكفيرى في كل جوانبه، أليس من الكفر بقيمتنا كبشر وكأبناء للإنسانية أن نظل بهذا السكون الذي تشابه والموت، كيف لبشر مثلنا لهم نفس الأنوف ونفس العيون أن يروا  ويشتموا معاني حقيقية للعيش والحرية والعدالة والقانون، بينما نحن نعيش على أدنى معاني تلك الفرضية، نحن فقط نرى أننا نتنفس فنكتفي بتلك الحياة.

لقد استنار ابن آدم فكريا وآن له أن يكتسب عدالته المعقولة، آن له أن يفهم معادلته الصحيحة والتي هي استقلال لعقله السليم وحرية لإرادته النافعة، إن سيادة الإنسان على نفسة هي سيادة مطلقة معها يصبح مناصرا لأفكاره أو قامعا لها، وسيادته في مجتمعه نسبية بالقدر الذى يحوزه من إحترام الآخرين لأفكاره ، فلا يطلق الفكر الذي يتعدى على أفكار الآخرين ولا يقمع الفكر الذي يتشارك مع أفكارهم أيضا، فالقفص الذي سجينه طائر هو مجتمع مكون من طائر والقفص الذي يجمع مجموعه من الطيور لهو مجتمع مكون من مجموع تلك الطيور  وقوانين الطيور هي فقط السارية في مجتمع الطيور وإن كان القانون سيطبق في نطاق القفص والذي هو رمزية القهر  فليطبق، كذلك القانون الإنساني هو الذي يجب أن يسري وإن كانت الرمزية القاهرة له قوانين الجبر البشري كالتي تسلبنا العدالة والحرية و العقلانية.

 

لكن لا يحق أبدا إنسانيا لأي إنسان أن يتنازل عن دوره الباحث عن لغتة التي تقوده لعقلانيته وحكمته الخاصة ، ومهما قل أو زاد هذا الدور  سيظل دوره هو الأساس الذي تبني عليه فرضية وجوده كإنسان ، ولا يجب أن يسمح لأي طرف أن يسلبنا صفات إنسانيتنا والتي أهمها هي تلك التفاعلية  أو أن يحتكر أواصل معاشنا والتي أهم سبلها إبداء الرأي ، وإلا فنحن كالأنعام بل أضل.

 

لقد أدركنا من خلال  النضال الإنساني أن اللسان لايقتل إلا صاحبه و أن اليد هي السلاح الذي يواجه من يريد قتالا.

 

فقط المناجاة لا تؤتي بالثمر ومنجاة شجرة العدل لابد أن يتبعها فعل التسلق والمتابعة رغم مشقة الصعود حتى تواتينا لحظة يكون معها قطف النجاح هينا وسهلا، إن كل كلمة تحمل في طياتها معاني إنسانية لهى هدف من قبل متأمل أو مترصد، هبت لأجلها عواصف وشنت بإسمها حروب ورغم هذا لم تحصد الإنسانية إلا القليل ولكن القليل هذا كان ولازال كافيا ليدرك المحروم منه أنه لم يتأخر أو يتخلف ،ويدرك أنه يباشر الحياو دون خوف من القانون الذي كتب بإسمه ليعاقبه ويحاكمه ، ويطمئن لقانون كتبه هو بلغتة بعدما أتقن الكتابة والقراءة من خلال اللغة الإنسانية .

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق