سياسة وتاريخ

القانون الدولي يصنف الدم!

لطالما صدعوا رؤوسنا بالقوانين والمواثيق الدولية وعن ضرورة ملاءمة القانون الدُّوَليّ والقانون الداخلي للدول، حتى جعلوا سيادة القانون الدُّوَليّ أدعى للالتزام والتطبيق عند اختلافه مع القوانين الداخلية، فنددت  الدساتير عن ذلك ومجدته وسطرته في تصديراتها، وحوربت الخصوصية الدينية والعقائدية والهوية الثقافية  لبعض الدول بحجة أنها خرق وتجاوز للقانون الأممي. حينها ألزمت  منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن  والهيئة الدولية لحقوق الإنسان وغيرها من الهيئات الدولية الدول الأعضاء بمواثيقها وفرضت عقوباتها ورفعت تقاريرها لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية عندما تعلق الأمر بالدول الضعيفة دون الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين.

من خلال الأحداث الأخيرة التي عاشها الشرق الأوسط من الربيع العربي حتى الآن يتضح جليا أن القانون الدُّوَليّ بغض النظر عن مرجعيته الغربية التي لم تحترم أي خصوصية للبلدان العربية والإسلامية ، قد سخر لخدمة مصالح الغرب الإنسانية والاقتصادية والسياسية وحقن دمائهم و حماية حقوقهم دون حقوق باقي الدول الأعضاء، فالأمس أريق دم سوريا واليمن وليبيا وغيرهم واليوم يراق دم فلسطين دون أي أدنى تدخل أممي، فما كان من هذه الهيئات سوى التطبيل والتنديد بتصريحات إعلامية لا تغني ولا تسمن من جوع، تصريحات باردة وعادمة ليس من شأنها حقن دماء الفلسطينيين الابرياء ولا  إعادة حقوقهم ولا تعمير ديارهم، فعلى أي  أساس يصنف القانون الدُّوَليّ دماء فلسطين دون باقي الدماء، وهل لا بد للدم أن يكون من فصيلتهم لكي يتدخل القانون الدُّوَليّ الأممي؟ هل لابد للدم  أن يكون دما غربيا خالصا أو من فصيلة يهودية ثرية لكي يتدخل مجلس الأمن وهيئة حقوق الإنسان واليونسيف واليونسكو وغيره من المنظمات؟ أليس من اختصاصات مجلس الأمن حفظ الأمن والسلم الدوليين والتدخل الطارئ  وفرض العقوبات على الأطراف، فكيف تدخل مجلس الأمن اليوم في غزة لكف إسرائيل عن جرائمها ضد المدنيين وضد الإنسانية بصفة عامة؟

ما محل الإعلان الدُّوَليّ لحقوق الإنسان المؤرخ بسنة 1948 من الانتهاكات  التي تحدث في فلسطين من طرف الكيان الصهيوني؟ أين يتجسد الحق في الحياة والحق في الأمن والحق في حفظ السلامة الجسدية والنفسية  المعلن عنه في الفصول 3، 5، 7، 9  من الاتفاقية مما يعانيه رجال و أطفال ونساء فلسطين؟ أين يتجسد حق الاعتقاد مزاولة الشعائر الدينية المعلن عنه في الفصل 18 من الاتفاقية مما حدث في المسجد الأقصى من ضرب وتنكيل وترويع ومنع المصلين المعتكفين خلال شهر رمضان؟

ما محل  اتفاقيات جنيف قبل تاريخ 1949  الخاصة بحماية الجرحى والمرضى والغرقى والمقاتلين الأسرى وكذلك الاتفاقية المعنية بالمدنيين لسنة 1949 التي حددت حماية قانونية يتمتع بها كل شخص لا ينتمي إلى قوات مسلحة أو جماعات مسلحة خلال الحروب وشملت الحماية أيضا للممتلكات المدنية، وجاء اعتماد البروتوكوليين الإضافيين إلى اتفاقية جنيف في 1977 ليؤكد لاحقاً هذه الحماية، أين ضمان حقوق الفلسطينيين المدنيين العزل من هذه الاتفاقية؟

ما مصير دماء الفلسطينيين اليوم من نص القانون الدُّوَليّ الإنساني الذي ينص على أن المدنيين الواقعين تحت سيطرة القوات المعادية يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية في جميع الظروف، ودون أي تمييز ضار ويجب حمايتهم ضد كل أشكال العنف والمعاملة المهينة بما فيها القتل والتعذيب ويحق لهم أيضا في حال محاكمتهم الخضوع لمحاكمة عادلة توفر لهم جميع الضمانات القضائية الأساسية، فأين حقوق  المعتقلين والمتظاهرين من شباب “حي الجراح” بالقدس وباقي المعتقلين دون دليل أو حجة من شروط هذه المحاكمة العادلة؟

ونددت الاتفاقية  بحماية الأفراد الذين يحاولون مساعدة المدنيين لاسيما أفراد الوحدات الطبية والمنظمات الإنسانية أو هيئات الإغاثة التي توفر اللوازم الأساسية مثل الغذاء والملبس والإمدادات الطبية، ويُطلب من الأطراف المتحاربة السماح لهذه المنظمات بالوصول إلى الضحايا. فما مدى مصداقية  هذه الحماية مما يتعرض إليه المسعفون اليوم في منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني وكذلك رجال الوحدات الإسعافية وقد قصف الكيان الصهيوني الطرق المؤدية إلى المستشفيات وهاجمهم بالرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع ومنعهم من نقل الجرحى والمصابين بساحات المسجد الأقصى؟

وأضافت الاتفاقية أنه بينما يشمل القانون الدُّوَليّ الإنساني جميع المدنيين بالحماية دون أي تمييز، فإنه يخص بالذكر جماعات معينة، إذ يعتبر أن النساء والأطفال والأشخاص المسنين والمرضى يشكلون فئات شديدة الضعف في أثناء النزاعات المسلحة، وكذلك الأشخاص الذين يفرون من بيوتهم فيصبحون نازحين داخل بلدانهم أو لاجئين. إذن لماذا غاب القانون الدُّوَليّ الإنساني اليوم في فلسطين وقد قصفت بيوت الآمنين واستشهد الأطفال  والنساء بالعشرات،  أين القانون الدُّوَليّ الإنساني عندما استشهدت أسرة بأكملها لم يتبقى منها سوى رضيع عمره شهور؟ وعندما قصف الكيان الصهيوني مبان ومدارس ودور أيتام تعتبر ملاجئ للفلسطينيين وقت الحرب؟

ويحظر القانون الدولي الإنساني الترحيل القسري عن طريق ممارسة التخويف أو العنف أو التجويع”، فهل سمع القانون الدولي نداء أهالي حي الجراح الذين يرحلون من ديارهم قسرا بشتى وسائل العنف والترهيب والتخويف؟

أسئلة كثيرة طرحناها ولا تحتمل إلا جوابا واحدا هو أن القانون الدولي يصنف الدم، أجل دماء فلسطين ليست من اختصاص القانون الدولي، دماء غزة ليست من اختصاصه، فصيلة الدم العربي عامة ليس من اختصاصه، وخاصة إذا كان المسؤول عن إراقة هذه الدماء كيان صهيوني كإسرائيل، حينها يتبين عجز هذه المنظمات وفشلها وضعفها الذريع في فرض عقوباتها وإلزام الدول بها، فلم يبقى لها  أمام هذا الفشل الدولي مصداقية و لا سلطة أممية سوى تنديدات إعلامية باردة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

لطيفة شوقي

باحثة في العلوم السياسية وقضايا الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى