ثقافة و فنون

القاتل الأشقر: قراءة العنوان والصورة ودلالتهما

يحظى الأدب المغربي بمكانة مرموقة على الصعيد العالمي والعربي بوجه خاص، بفضل الثورة الأخيرة التي عرفها الإنتاج الأدبي، وخاصة في مجال الرواية بكل أنواعها وأصنافها؛ فالكم الكبير الذي غزى الساحة الأدبية مؤخرًا يعكس مدى إقبال المغاربة على الكتابة بعد سنوات المخاض الطويلة. ولم يقتصر هذا الإقبال كما الفترات الماضية على نخبة معينة من الكتاب، كانت تتصدر المشهد الأدبي والثقافي بالمغرب، بل تجاوزه ليشمل العديد من الوجوه الجديدة من الشباب، الذين يرصعون المشهد الأدبي المغربي بروايات جديدة تطرح قضايا متعددة، تجاوزت الواقع المغربي المعاش لتصل إلى قضايا أعمق، قضايا أكثر حساسية، قضايا راهنة يعيشها العالم العربي الإسلامي، ويتخبط فيها المجتمع الذي نولد فيه ونعيش على أيديولوجيته المعقدة.

وفي حديثنا عن هذا الموضوع نتوقف عند كاتب مغربي بات يتصدر الساحة الأدبية المغربية مؤخرًا، بأعماله المرموقة التي خلفت صدى طيب، عبر ثلاث روايات متميزة تناقش القضايا الكبرى التي يعيشها المجتمع العربي الإسلامي ككل؛ القضايا الصغرى التي لا نلقي لها بال فتتحول مع الوقت إلى قضايا كبرى لها تأثيرات كبيرة على جميع الأصعدة. فالإنسان العربي المحكوم بالعيش في رقعة تضيق أكثر مما تتسع للعديد من الأشياء التي تخلق اعتباطًا، أو نكون مجبرين على العيش فيها، تخلق في أنفسنا روح الانتقام والرغبة في القضاء على الآخر. فكل فرد في هذا المجتمع العربي له العديد من الترسبات التي يحملها معه منذ الصغر، فتكبر مع الوقت كفقاعة أو كرة الثلج، لتنفجر وتصبح خطرًا علينا. وهذا كله نتيجة القهر والقمع والظلم، والحرمان الذي نعيشه ونصادفه في حياتنا اليومية، الممارس علينا من كل الجهات، ولا نستطيع أن نعالجه أو نتصدى له من أجل القضاء عليه، فيتفاقم وينتج عنه أشياء كثيرة لا تحمد عقباها.

هذا الكاتب الذي نحن بصدد الحديث عنه هو طارق بكاري، الروائي المغربي الشاب المرموق الذي بدأ يطل على الساحة الأدبية المغربية والعربية، من خلال ثلاث روايات غاية في التميز، سواء من حيث اللغة والشكل أو من حيث المضمون، ثم توظيف الأمكنة والأزمنة والشخصيات. وهنا نتوقف عند روايته التي صدرت سنة 2019، تحت عنوان “القاتل الأشقر”، والتي تعد من أدق الروايات التي تطرقت إلى بعض القضايا الحساسة التي نعيشها كل يوم في مجتمعاتنا دون أن ندري مخلفاتها ونتائجها في المستقبل؛ إنها مسألة “الانتقام”، الانتقام من كل شيء، وبالطبع هذا الانتقام له مخلفات وأسباب كما جاء في الرواية التي نحن بصدد دراستها.

صاحب رواية “نوميديا” و “مرايا الجنرال” اختيار عنوان لعمله الجديد له أكثر من دلالة ومقصدية، سواء من حيث التركيب أو المعنى، فنجد أن العنوان جاء جملة اسمية دالة على الجمود بالرغم من أن القاتل تحرك من مكان لآخر وقام بالعديد من الأحداث. لكن من جهة أخرى فالقاتل لا يمكن أن يتحرك من تلقاء نفسه، ما لم تكن هناك أسباب ودوافع كثيرة تحركه وتدفعه لارتكاب فعل القتل. أما الكلمة الثانية “الأشقر” ففيها نعت لصفة القاتل ووصف له، لكن هذا اللون غير موجود بكثرة في المغرب، ولربما له دلالة أخرى غير التي تبدو لنا ظاهريًا، وهي تلك التي تخفيها السطور في كون هذا القاتل ليس ابنًا شرعيًا، بل هو نتاج علاقة غير شرعية، هذه الصفة التي سيحملها عبر أسطر الرواية على طولها والتي ستدفعه إلى كتابة أحداثها والانتقال عبر متونها، كاشفًا الستار عن خبايا ما تعيشه مجتمعاتنا العربية الإسلامية. لكن العنوان هنا غير تام وينقصه خبر المبتدأ، ويمكن القول أن غموض العنوان ذو الكلمتين يدعونا إلى الدخول إلى عوالم النص، بحثًا عن هذا القاتل الأشقر. فالعنوان عادة ما يكون ملازمًا لصفة الغموض وتكتنفه معاني غير تامة، وهذا ما سعى إلى توظيفه كاتبنا المميز طارق في روايته هذه التي سنعيش أحداثها ونتوقف عند أهم عوالمها.

وإذا ما توقفنا عند صورة الغلاف الذي وضع لرواية القاتل الأشقر، فنجد أن الغلاف بسيط جدًا وذو معنى بليغ لا يحتاج إلى الكثير من التأويلات لكي يفهمه أي شخص؛ في الصورة يظهر شاب ذو جلد وقوة، في مقتبل العمر، نظراته كلها غضب وحقد ومن وراءه منازل مبنية على الطراز العربي، توحي بالمكان الذي ينتمي إليه هذا الشاب الذي يسير إلى الأمام، والأفكار تتراقص في مخيلته، وعزمه كل العزم على ارتكابه لأشياء كثيرة تبدو من خلال تقاسيم وجهه ونظراته أنها لا تبشر بالخير. وقد جرد من كل الثياب، أو لنقل القيم التي يغرسها المجتمع الإسلامي في كل شخص ينبت فيه ويتربى في كنفه، عيناه مركزتان على شيء معين، وقد أصر صاحب الكتاب أو واضع الغلاف على أن تخالفا لون جسده الأصفر، وذلك لكثرة الغضب والرغبة في الانتقام. وفي الأعلى لعبة مشهورة يلعبها الصغار، على شكل طائرة ورقية عادةً ما تصنع من البلاستيك، يلهو بها الأطفال الصغار في الأحياء الشعبية والبوادي، لقد تركها تطير لوحدها وفي هذا يكون قد ترك ترسبات حياة الصغر والذكريات الأليمة التي جعلته ينظر إلى المجتمع بهذه النظرة القاسية.

هذه الطائرة الورقية ستحمله من عالم الذكريات والطفولة الغير مرغوب فيها من قبله، إلى حياة أخرى حيث الرغبة في التجرد من كل شيء ومحاولة الانتقام والتمرد على كل شيء، بل ممارسة الأشياء الأكثر خطورة لكي يعترف المجتمع بهذا القاتل، ويتخلص من الصورة القاتمة القاتلة التي لازمته طويلًا. وهنا نرى تلك الطائرة الورقية تحمل عبارة القاتل الأشقر وتطير به إلى وجهة مجهولة، هذه الوجهة لا يعرف بدايتها ولا نهايتها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق