ثقافة و فنون

الفلسفة السياسية بين وظيفة التبرير ووظيفة التغيير

الفلسفة  السياسية لهي نفي تام لخطأ شائع نحو نظرة المتأمل العادي للفلسفة بشكل عام، النظرة التي ترى ففي الفلسفة وجه ا للتأمل ففي الحقائق المجردة وترى أنها لا تحمل أي أغراض عملية.

إذ أن الفلسفة السياسية ليست تفسيرا مجردا للظواهر السياسية، بمعنى أنه لابد لهذه الفلسفة من دور عملي يفقدها طابع التجرد، والدور العملي الذي ينسب للوضع السياسي القائم في زمن ما ومكان ما لا يقوم إلا بوظيفتين؛ فإما يدفع نحو تبرير الوضع السياسي القائم “كتبرير وجود حاكم أو نظام حكم ما بدعاوي الاستقرار مثلا ” ، أو أنه يكون رافضا لهذا الوضع السياسي القائم فيقدم دعاوي التغيير والتجديد، لهذا تعد السياسة نشاطا عمليا لا يقف عند مناقشة الدوافع ومقارنة النتائج بل يستمر للبحث عن الحل سواء كان فلسفيا تبريرا للأوضاع السياسية القائمة أو نشاطا معارضا داعبا للتغيير بغض النظر عن أسباب وأساليب هذا التغيير .

ففي العصور الوسطى كان الوجه الغالب من وجهي الفلسفة السياسية هو وجه التبرير، وكما أي فلسفة أخرى في تلك الفترة كانت تشهد استقرارا بسبب عدم الحاجة لنزعة التغيير، وذلك لكون المسيطر على النشاط السياسي حينها هي سلطة الكنسية المتمثلة في رجال الدين، ثم من بعدهم الملوك والإقطاعيين مالكي الأرض والعبيد، حيث انشغلت الفلسفة السياسية بتبرير نشاط الحاكم وسلطة الحكم عبر إيجاد كيفية للربط مابين سلطات الحكم الدنيوية وسلطات الحكام الدينية.

نشأت في تلك الفترة نظرية الحق الإلهي؛ أي حق الله عز وجل في حكم ملكه وعبيده، ولكن تلك النظرية جعلت من الكنيسة ورجالاتها مفسرين أو ملهمين في نظر العامة بمشيئة الخالق وجعلت من سلطات الحكم في الصورة والصفة المنفذة لتلك المشيئة.

في أواخر القرن الخامس عشر بدأ النظام الإقطاعي في التصدع والسقوط وبدأت تعود للدولة المركزية أهميتها،  الأمر الذي حد من سلطات الكنيسة وأعاد السلطة السياسية إلى إرادة الشعوب بعد أن كانت مستمده ظاهريا من سلطة إلهية وباطنيا بأهواء رجال الدين ومقاصدهم، ومع بدايات القرن السادس عشر شهد تغير في اتجاه الفلسفة بشكل عام والفلسفة السياسية على نحو متباين فظهرت نظرية العقد الاجتماعي.

يعد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أبرز من سبقوا لصياغة نظرية العقد الاجتماعي، وتعد النظرية في فلسفة هوبز نتيجة لتعاقد ضمني ما بين العامة والسلطة بموجبه يمنح العامة سلطة مطلقة للحاكم والذي هو بشر مثلهم في مقابل مهمة يمنحهم خلالها  حياة الأمن والسلام بدلا من حياة الحروب التي كانوا من قبل يعيشونها باسم الدين.

وبالرغم أن هوبز كان من دعا للحكم المطلق إلا أنه من أوائل الذين دعوا برد السلطة إلا الشعب، تطورت الفكرة فيما بعد على يد جون لوك وعدد من الفلاسفة بحيث تفضي النظرية إلى علاقة تعاقدية بين العامة والسلطة بحيث يكون طرفي العقد متساويين في الالتزامات والحقوق وإلا سيكون العقد هذا لاغيا مع عدم وفاء السلطة بمقتضيات العقد فتعود السلطة إلى الشعب حتى يفوض سلطة أخرى تلتزم بالعقد وشروطه.

مع وجود قاعدة أساسية للحكم يعود إليها حق الاختيار وهي الشعب أصبح من الضرورة وجود أشخاص ما في السلطة بشكل توافقي مع رضاء القاعدة الشعبية التي تنحاز بالاختيار.

في هذه الأجواء ولدت الليبرالية في شقها السياسي المعروف حتى الآن فأقرت حق المواطن في انتخاب سلطته أو وجه تمثيله في السلطة، أصبحت أيضا الليبرالية نظاما ترتكز علية النظم الرأسمالية في الغرب والتي بنيت على أساسها مجمل الحضارة الغربية التي نعهدها الآن.

بدأت الفلسفة السياسية مع سلطات الحكم البابوي الديني كمبررات وجودية لتلك السلطات وانتهت بدعاوي التغيير والتجديد كأحد متطلبات الحداثة والحضارة، في العصور الحديثة التي ترسخت فيها الليبرالية كفكر مهيمن للمثالية في تسبيط الحكم القائم على رأي قاعدة شعبية أهم مميزاتها التغير والتجدد، نجد أنها اتخذت مجددا منحى التبرير ولو كان هذا الاتجاه عند القليل من المفكريين الذين برروا وجوب الحفاظ على النظام الرأسمالي الذي أثبت اختلافه ونجاحه.

ولكل نظام يشهد تطورا في ميول ودوافع البشر القائمين عليه يجب هو أيضا أن يشهد تطورا بحجم ما يميلون له ويبغونه، فمع التطور التاريخي للرأسمالية الليبرالية شهدت الوقائع العملية حقائق القصور في تلك النظم إذ أنها لا تكفل الحرية والرفاهية والعدل والمساواة، بل أدت سيطرت رأس المال على مجريات السياسة وحريات الرأي والإعلام إلى تنكر فعلي لمبادئ الليبرالية التي أسست لمبدأ العقد الاجتماعي في شكله الدائم.

وهذا الأمر الذي أدى أيضا إلى بروز فلسفات سياسية جديدة مثل الفلسفات الماركسية التي تتبنى أفكار إنهاء الرأسمالية كحركة حتمية للتاريخ، وكموقف عملي وعلمي صحيح من مبدأ يفرض علينا مسايرة التطور الحركي للتاريخ.

والفلسفات الماركسية التي دعت لتغيير شامل لم تحل دون وجود فلسفات التبرير الكلي أو التغيير الجزئي، وجعلت جل تركيزها على المبدأ الليبرالي الأصيل فى الحكم والذي خرج عنه أيضا النظام الرأسمالي، فدعمت مرتكزات الفكرة الليبرالية بأسانيد من وجهه نظرها تضمن للحضارة الغربية كحضارة ليبرالية أسباب النمو والبقاء.

أخيرا، إن الأعمال الفلسفية التي طرحتها الفصول الأخيرة من التاريخ قد أضافت الكثير إلى مفهوم القيم أو بالأحرى أضافت إلى ما يسمى بفلسفة الأخلاق والتي يجب أن لا تنفصل بشكل أو بآخر عن الفلسفة السياسية، باعتبار أن القيم سياسية بدرجة أولى على أن تكون مجرد تفضيلات أخلاقية، وباعتبارها أيضا كيانا يمكن الاستدلال على ملامحه بأساليب الاستدلال العقلي، لذلك إن الفلسفة السياسية لهي نوعا خالص إلى محاولة فهم النشاط السياسىي بأساليب ممارستها العملية لا تربطها بالنشاط السياسي أيا كان ضرورة منطقية بطابع معياري، بمعنى أنها لا تبرر التغيرات الواضحة تاريخيا في النشاط السياسي البشري ولا تتأثر بطبائع  هذا التغير.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق