ثقافة وفنون

الفكر قدم استقالته والمثقف في سبات عميق.. كيف نواجه عصر التفاهة؟

لا أحد يجادل في كون المجتمع المعاصر هو مجتمع صناعي استهلاكي ذو نزوع نحو الحداثة والعقلنة والتفوق التكنولوجي، الذي يحقق المشروع الثوري للإنسان الحديث، ألا وهو إخضاع الطبيعة وتسخيرها لخدمته، عبر اللجوء إلى البحث العلمي، الذي يراهن على إنتاج التقنية كاستراتيجيه إنتاجية استحواذية نفعية.. هذا الواقع المضيء يحضر بدرجات متفاوتة من مجتمع إلى آخر، خاصة بين دول الشمال الغنية والمتقدمة ودول الجنوب الفقيرة والسائرة في طريق النمو، هذه الأخيرة يغيب في هذا النمط من التطور، بل يتعايش داخلها نمط تقليدي (الأصالة) ونمط حداثي تقدمي يمثل بعد (المعاصرة)، يتنابها نموذج التفاهة في تنظير الأحداث واستشرافها.

اللحظة الاستشراقية في الفكر الفلسفي لمواجهة نموذج التفاهة

تعتبر الفلسفة معجزة إغريقية تشكلت كخطاب عقلاني منظم للوجود (اللوغوس) في مقابل الأسطورة (الميتوس)، حيث تعدد الإلهة وسيادة اللاعقل وغياب المنطق، بمعنى المرحلة الطفولية لتشكل الفكر الإنساني، نشأة هذا النمط من التفكير العقلاني الاستدلالي، على أيادي الحكماء الثلاث الأوائل (طاليس، أنكسيمانس ، أنكسيماندريس) في مالطية على ضفاف أسيا الصغرى، شكّل حدثًا بارزًا في تاريخ الفكر الإنساني، حيث تم اعتماد آليات الفكر العقلاني البرهاني بعيدًا عن نموذج التفاهة واللاوعي، الذي يستمد جذوره من الرياضيات، باعتبار العالم في نظرهم مكتوب بلغة رياضية، لا يفهمه من لا يكون رياضيًا (الفيثاغوريين).

وإذا كانت الفلسفة عند اليونان ارتبطت بمفهوم محبة الحكمة التي تحيل إلى تفسير قضايا الوجود والإنسان، اعتمادًا على العقل والنظر العقلي البرهاني؛ ذلك أن الحكمة السقراطية تعلمنا أن معرفة الذات تأتي عن طريق التخلص من قيود الجسد والحس الغريزي هي السبيل للرقي إلى عالم الجمال، السعادة، الخير والعدالة، وعن طريق هذا العقل المنطقي واعتماد منهجية التوليد لبلوغ الحقيقة، التي تم التنصيص على نسبيتها. كما تؤكد على ذلك واقعة (فيتاغورس)، الذي يعتبر أول من أطلق كلمة (فيلوسوفيا) على مصطلح الفلسفة، باعتبارها كلمه مركبة من (philo) وهي الميل والرغبة والمحبة، أما (sophos) فهي الحكمة؛ وهو بذلك يرفض أن ينعت بالحكيم، بل يفضل مفهوم محب للحكمة، لأن ذلك يعني ألا أحد في هذا الكون يمتلك الحقيقة بل إننا كلنا نلهث وراء الحقيقة، وفي ذلك تأكيد على نسبيتها وتغيرها وتداخلها مع الدوكسا (الظن)؛ لذلك السبيل الوحيد لبلوغها، هو الحوار الجدلي.

الفلسفة ونظام التفاهة، ما علاقة؟

يعرف المجتمع المعاصر صعودًا ملحوظًا للتافهين بتعبير (آلان دونو) عالم الاجتماع الكندي، الذي أشار في كتابه “نظام التفاهة” ( La médiocratie) الصادر عام 2015، إلى أن عديمي الكفاءة والضحالة الفكرية والتسطيح الثقافي (أشباه المثقفين) أصبحوا نجومًا متلألئة في سماء الشهرة والمسؤولية، بل أسندت لهم مهمة التنظير وتوجيه النقاش العمومي؛ نظرًا لغياب سلطة المعرفة واستقالة الفاعل الثقافي، فكلمة médiocratie تحيل في شقها الأول (mediocre) على المتواضع، التافه، الضعيف، أما كلمة (cratie) فهي تدل على الحكم والسلطة، بمعني تحكم هذه الفئة الدونية، في المشهد السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي.. بل إننا نجدها تغزو القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تسوق لصور البهرجة والبذاءة وتبضييع القيم.

إن مجتمع المعرفة الرصينة أصبح يتراجع لصالح نموذج التفاهة المتمثل في مجتمع “الفرجة والبوز” وتناقض القيم وسيادة القيم المادية البراجماتية، التي كرسها النظام الرأسمالي الليبرالي الجديد، في ظل هذا الواقع المأزوم، أصبحت وظيفة الفيلسوف كـ”طبيب للحضارة” بتعبير (نيتشه)، بل ينعت من يتفلسف بالعدمية والجنون والخروج عن الدين وتعمد التعمية والنظر إلى المجتمع من برجه العاجي، بل هناك من ذهب إلى ضرورة الاستغناء عن هذا النمط من التفكير لأنه مضيعة للوقت.

أمام هذا التيار الجارف للتصور النفعي العلموي التقنوي فإن الفلسفة منذ نشأتها قدمت ذاتها كحاملة لمشروع نهوضي، تنويري، تساؤلي، برهاني، استدلالي، نحن في أمسّ الحاجة إليه خاصة في المجتمعات العربية حيث غياب ثقافة الحوار أو القبول بالرأي والرأي الآخر وثقافة التسامح ونبذ التعصب بكل أشكاله، كما نظر له (voltaire) في كتابه (condide)، فمضمون التنوير تشكل من المحاور التالية: (التقدم، العقل، الحرية) مفاهيم وقيم، أسس لها فلاسفة عصر التنوير أصبحت مضمونًا أساسياً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بل هناك من ذهب إلى حد القول “العلاج بالفلسفة” إن الحاجة إلى الفلسفة تكمن في كونها تربي النشء على عدم تقبل الأفكار الجاهزة وخلخلة البداهات والحقائق المطلقة (فالفلسفة تبدأ حينما ينتهي العلم Bertrand ressu  بمعنى أن الفلسفة فكر عقلاني سلاحه التمحيص، البرهنة، الأشكلة، الحجاج. مكنت الفلسفة الإنسان من تحقيق دلالة الخلافة على الأرض؛ فالسيادة على الكون لا تكون بالكلام الفارغ والتراهات. بل بالدخول في صراع مع الطبيعة، اكتشاف قوانينها وسبر أغوارها، “العقل هو أعدل قسمة بين الناس” بتعبير ديكارت، الذي أسس الحداثة الأوروبية في القرن السابع عشر بإعلائه لتجربة “الكوجيتو الديكارتي” (أنا أفكر إذاً أنا موجود)، التي استبدلت في واقعنا المعاصر بعبارة (أنا أتفلسف فأنا موجود).

الحل للخروج من نموذج التفاهة

لتجاوز نموذج التفاهة والانحطاط الفكري والثقافي الذي يميز نظام التفاهة ينبغي تبني الحلول التالية:

  1. ينبغي الارتقاء بالخطاب الفردي والجماعي داخل النقاش العمومي، إلى مستوى العلمية والبناء الثقافي لمشروع مجتمعي نهوضي.
  2. تجويد الذوق الجمالي والقيم لدى الشباب، وذلك عن طريق تحسين العرض التلفزي والمنتج المدرسي، بتضافر جهود جميع الفاعلين الاجتماعيين.
  3. تغذية الطفل بالموارد المعرفية والثقافية الأساس عن طريق تشجيع القراءة والتلاقح الثقافي بين الشباب وإقامة ندوات ومناظرات تعني بالشأن الثقافي.
  4. خروج “المثقفين العضويين” – بلغة (غرامشي) – من سباتهم الدوغمائي واستقالتهم المستفزة، لمواجهة هذا التيار الجارف لممثلي نموذج التفاهة عبر اقتحام مجالهم السمعي البصري والشبكة العنكبوتية.
  5. إعادة الاعتبار للفلسفة؛ وذلك بتوطينها ضمن مكانها الطبيعي داخل مجتمع المعرفة، عبر حضورها منذ السنوات الأولى من الطفولة للمراحل الدراسية الأولى، في بعض المنظومات المتقدمة لبعض الدول، كالولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتمد التدريس بالحكي، وذلك لشحذ قدرات الأطفال التخيلية والتأملية، لإشباع غريزة الفضول المعرفي المتأصل في الكائن البشري، تلك هي وظيفة الفلسفة النبيلة.

اقرأ أيضاً: الفلسفة الحياتية.. الكفاح وعلاقته بالطريقة التي نريد أن نعيش بها

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق