مدونات

الفكر التآمري عند العرب وتأثير نظرية المؤامرة على جائحة كورونا

ليس هناك أي دليل حاسم على وجود مؤامرة في تصنيع فيروس كورونا ليكون كسلاح بيولوجي، ومع ذلك تجد من يرمي الاتهامات على الولايات المتحدة تارةً، وعلى الصين تارةً أخرى. فقد نشرت مجلة “Nature Medicine”، المتخصصة، دراسة أعدّها علماء، في 17 مارس من العام الجاري، خلصت إلى أن الأدلة  تظهر أن سارس كوفيد 2 (SARS-CoV-2 ) ليس فيروسًا تم التلاعب به بشكل متعمّد.

ومزاعم مؤامرة كورونا بدأت عندما أشار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب Donald Trump، إلى أن الفيروس هو فيروس صيني. في حين اعتبر مستشار الأمن القومي الأميركي، روبرت أوبراين Robert O’Brien، أن محاولة الصين إخفاء الحقائق عن المجتمع الدولي عند اكتشافها الفيروس في ووهان Wuhan هو ما تسبب في هذه الجائحة.

في المقابل أكدت الصين أن الجيش الأميركي هو من نشر الفيروس في بلاده. عندما شارك الجنود الأميركيين في الألعاب الرياضية العسكرية العالمية التي جرت في مدينة ووهان الصينية، في أكتوبر من عام 2019 ، كذلك عززت إيران نظرية مؤامرة كورونا حيث اعتبرت أن الفيروس ما هو إلا جزء من حرب “بيولوجية” تشنها الولايات المتحدة ضد خصومها الدوليين وتتبنى الاتهام نفسه وتروّجه وسائل الإعلام الروسية. كما نشرت “فوكس نيوز” Fox News تقريرًا يعزز مؤامرة كورونا تلك، مفاده أن منشأ الفيروس هو أحد المختبرات في ووهان كجزء من جهود الصين للتنافس مع الولايات المتحدة.

إن نظرية المؤامرة أو الفكر التآمري يهدف إلى إيجاد أو صنع  العدو الذي يهدّد الشعب او الجماعة أين كانت، فيعزز ذلك الهُويّة الاجتماعية، حيث تقوم على مصير مشترك وهو أن الجميع يكرهنا، وأن هناك عدو لنا يريد تدميرنا. فهذا الإحساس يؤدي إلى الشعور بالانتماء المشترك عند الأفراد، وهو يقوّي الترابط والانسجام بينهم، وكلما زاد الإحساس بالتهديد والتآمر والظلم زاد تماسك الجماعة، وتطرّفت في مواقفها. لذلك نرى انتشاراً كبيراً للأفكار التآمرية عند الجماعات المتطرفة، يساريّة كانت أو يمينيّة أو إسلاميّة.

لطالما كانت هناك نظريات مؤامرة في أوقات مختلفة وفي مجتمعات مختلفة، ويبدو أنه في الوقت الحاضر هناك نظريات مؤامرة أكثر من أي وقت مضى بسبب كورونا وهي في ازدياد، على الرغم من أن المعتقدات في المؤامرات يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في المجتمع تم إجراء القليل من الأبحاث حول نوع الظروف التي تجعل الناس يؤمنون بنظريات المؤامرة.

ويمكن إرفاق نظرية المؤامرة بكل حدث كبير تقريبًا من اغتيال جون كينيدي John F. Kennedy ، ووفاة ديانا Diana، أميرة ويلز ، لانهيار مركز التجارة العالمي، وأيضًا نظريات مؤامرة حول فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز وغيرها الكثير، ممكن أن يكون لهذه النظريات تأثير كبير على المواقف تجاه السياسة العامة.

على سبيل المثال، يميل الأشخاص الذين يحملون معتقدات مؤامرة كورونا أو مؤامرة فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز إلى أن يكونوا أكثر تشككًا بشأن رسائل الوقاية، كما تقدم نظريات المؤامرة إجابات بسيطة للأسئلة التي لم يتم الرد عليها وعدو يلومه على المشكلة، وأيضًا يساعد على شرح الأحداث السلبية تسمح للناس بالاحتفاظ بشعور بالأمان وإمكانية التنبؤ، كما تحفز نظريات المؤامرة الناس على الاستعداد للدفاع الجماعي عن النفس ضد التهديدات المزعومة من الجماعات الخارجية.

أما بخصوص العالم العربي والإسلامي، فيدور معظم نظريات المؤامرة حول فكرة أن الغرب يسعى دائما للقضاء على الإسلام والمسلمين، من اتفاقية سايكس-بيكو (1916) إلى مؤامرة بيع السلاح الفاسد للعرب سنة 1948، وهجمات 11 سبتمبر عام 2001 في نيويورك هي من تدبير وكالة الاستخبارات المركزية (CIAلتبرير احتلال أفغانستان وغزو العراق، كما يعتقد الكثير من العرب أن داعش والقاعدة وجماعة بوكو حرام، هي صناعة غربية من اجل تشويه الإسلام، وان الثورات العربية مؤامرة أمريكية لاستنزاف المنطقة.

إن العرب الأكثر تأثرًا بالخطاب التآمري، ويتجلى ذلك بوضوح في ثقافتهم وسياساتهم، ولقد أشار الكاتب والمؤرخ الأمريكي دانيال بايبس Daniel Pipes في كتابه  (The Hidden Hand: Middle East Fears of Conspiracy ) المنشور سنة 1996، إلى أن العرب والإيرانيين هم أكثر الشعوب في العالم إيمانًا بنظريات المؤامرة وأشدهم حماسا في نشرها، ويرجع ذلك إلى ثقافة هذه الشعوب، فكلا الشعبين لهما تراث أدبي مليء بالخرافات والأساطير ذات المعاني العميقة، كذلك هناك سبب وجيه آخر يساعد على خلق هذه النظريات التآمرية، فإيران وكل الدول العربية في قبضة قائد مطلق، فهم يخضعون كل شيء لتحقيق أغراضهم وأهدافهم: التعليم، وسائل الإعلام، القانون، الجيش وغيرها من المؤسسات.

ولا يعلم بالحقائق الصحيحة إلا القلة القليلة، مما يجعل الخوف والجهل للشعوب تحت رحمة الشائعات والخرافات، مثل ما يحدث بخصوص مؤامرة كورونا ولهذا يتخلى الناس عن التفكير المنطقي للتحقق من الأحداث ويلجؤون إلى فكرة أن هناك قوى شريرة تعمل في الخفاء من أجل إيقاع الضرر بهم.

في السنوات الأخيرة، كان هناك اهتمام متزايد بالعوامل النفسية التي تدفع شعبية نظريات المؤامرة، فالناس قد ينجذبون إلى نظريات المؤامرة عندما يحتاجون إلى تلبية الدوافع النفسية الاجتماعية الهامة لديهم، والتي يمكن وصفها بالمعرفية Epistemic Motives (على سبيل المثال، الرغبة في الفهم والدقة واليقين الذاتي)، والوجودية (على سبيل المثال، والرغبة في السيطرة والأمن)، والاجتماعية (على سبيل المثال، الرغبة في الحفاظ على صورة إيجابية عن الذات أو المجموعة). هذا التصنيف مشتق من نظرية تبرير النظام system-justification theory .

وتظهر التجارب أن التعرض لنظريات المؤامرة يقلل الثقة في المؤسسات الحكومية، حتى لو كانت نظريات المؤامرة غير مرتبطة بتلك المؤسسات، كما أنه يسبب خيبة أمل السياسيين والعلماء، كما أن الأبحاث التجريبية تشير حتى الآن إلى أن نظريات المؤامرة بشكل عام مثل مؤامرة كورونا تعمل على تآكل رأس المال الاجتماعي وقد تحبط، إن وجدت، حاجة الناس إلى رؤية أنفسهم كأعضاء قيّمين في مجموعات كريمة أخلاقياً.

اقرأ أيضًا : نظرية البجعة السوداء…كيف يمكننا التعامل مع اللامتوقع ؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

adnan alanezi

دكتوراة في العلاج المعلافي السلوكي وزارة التربية والتعليم دولة الكويت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق