مدونات

الفطرة.. الذاكرة الأساسية الباقية مهما حاولوا تشويهها

لا أحد منا ينتبه إلى بعض التفاصيل البسيطة في حياته اليومية، والبعض يظن أن الإنسان هو وليد اللحظة والتجربة التي يعيشها فقط، إلا أن هناك أمور تحصل لجميع البشر على حدٍ سواء، تعتمد على الذاكرة الأساسية للإنسان ولا تميز بين أبيض وأسود أو عربي وأعجمي أو صاحب حضارة عريقة أو بلا حضارة. كلهم يتفقون على بعض الأمور دون إرادتهم، وكأنما هناك شيء خفي في عالم الحواس غير ملموس، يجتمع عليه جميع البشر كما هم عليه في بنيتهم الجسمية، فكل البشر يمتلكون نفس الأعضاء والتي تعمل بنفس الآلية.

من بين الأمور التي لم نلاحظها أو ننتبه لها هي الموسيقى، ما إن تسمع صوت الموسيقى حتى تستطيع فهم المغزى منها، فمثلاً موسيقى الأعراس والأفراح تختلف عن موسيقى الحماس والحرب وتختلف عن موسيقى الحزن وتختلف عن الموسيقى الهادئة، ولكن السؤال هو كيف ميزنا هذه الأنواع من الموسيقى بأنفسنا دون تدخل أحد؟ بل لماذا نتحرك ونرقص مع الموسيقى الصاخبة ولا نفعل ذلك مع الموسيقى الحزينة؟

والأمر الآخر الذي لا ينتبه له الكثيرون، وتكمن في الذاكرة الأساسية للإنسان هو كيف نميز بين الحيوانات الضارة أو المخيفة أو التي نشعر تجاهها بالخطر؟ وخاصةً الحشرات التي بعضها يشعرنا بالتقزز والأخرى تشعرنا بعدم الراحة، وكذلك بعض الحيوانات كالأفعى والعقرب والأسد نشعر تجاهها بالخوف بسبب حركتها وشكلها، بينما نميل إلى محاولة التقرب من الطيور الجميلة ذات الألوان الزاهية ولا نخاف منها، فكيف استطعنا أن نميز ذلك؟

يحدث التمييز العقلي بشكل تلقائي للإنسان ومن غير تعلم مسبق من أحد، فتمييزه للموسيقى وتأثيرها عليه بالحزن أو السعادة لا يعرفها من خلال أبويه أو مجتمعه أو المدرسة، بل هو يشعر بها من ضمن تركيبته الحسية.

وهذا الإحساس لم يأت من فراغ، بل جاء من الذاكرة الأسياسية للإنسان وهي ذاكرة ثابتة مطبوعة في دماغ الكائن الحي لا تمحى منه، تعطيه أساسيات الحياة، وهذه الذاكرة هي أول ما يعمل عند الإنسان منذ ولادته ورؤيته النور وأخذه النفس الأول خارج رحم أمه.

يندفع الطفل للبكاء إن تألم أو جاع أو شعر بالخوف، وسيشعر بالاطمئنان في أحضان أمه إن قست عليه، بينما سيتجنب غيرها إن قسى عليه أو عنّفه. هذه الأفعال التي يقوم بها هي من نتائج تلك الذاكرة الأساسية للإنسان والتي زرعها الله في الإنسان والتي أسماها في كتابه الكريم “الفطرة”.

هناك من يتلاعب بإعدادات هذه الذاكرة، بل إن هناك مَن يخربها ويتلفها، وهذا يجعلك تلاحظ أن الحيوانات المقززة والكريهة والتي تتكاثر في أماكن قذرة يهواها الآخرون بل ويأكلونها، بينما هو نفسه لو قدمت له قدحين أحدهما فيه ماء صافٍ والآخر فيه ماء آسن، فهو سيختار الصافي والعذب والذي بلا رائحة على الآسن والعفن.

ولو أنك قدمت له زجاجة عطر مصنوعة من المسك والعنبر وأخرى فيها عطر مصنوع من العفن والمياه الضحلة وماء المجاري والأوساخ، فإنه بشكل طبيعي سيميل إلى العطر الجميل ويترك الآخر، وهذه هي الفطرة الطبيعية في التمييز بين الأشياء، بين القبيح والحسن، وبين الطيبات والخبائث، ولكن رغم ذلك هناك من هو مصر على التلاعب بهذه الفطرة السليمة وإتلافها.

اقرأ أيضًا: يعود العالم إلى الأنوثة فماذا عنكِ؟

أولئك الذين يتعرضون للجلطات الدماغية وتسبب لهم فقدان الأهلية العقلية والفكرية، أو الذين يصابون بالخرف أو الزهايمر، وكذلك من لديهم اختلال في الدماغ والمجانين، فإنهم مع تقدم حالاتهم المرضية سيرجعون إلى إعدادات الذاكرة الأساسية للإنسان – أي فطرتهم السليمة التي هم مجبولون عليها، ورغم أنهم نسوا كل شيء حتى النطق إلا أنهم يعرفون كيف يعبرون عن خوفهم وجوعهم من خلال الصراخ والبكاء، ويعبرون عن الفرح بالقفز والابتسام والضحك.

إحدى أهم النعم التي وهبها الله لنا هي نعمة الفطرة السليمة، وعلينا أن نشكر الله وأن نحافظ عليها سليمة لنستطيع من خلالها الوقوف على الحق وتمييزه عن الباطل، ورؤية الصحيح من الخاطئ، والابتعاد عما يسبب لنا المشاكل، لنبحث عن هذه الذاكرة الأساسية للإنسان ولنطلق لها العنان ولا نجعلها مقيدة بأغلال المجتمع الشاذة وآراء الناس الباطلة ولا نخضعها لأفكار التكفير والقسوة والعنف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق