سياسة وتاريخ

الفردوس المفقود: «عقدة الأندلس» تلقي بظلالها على عرب اليوم

غيّر سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بالأندلس، موازين التاريخ وقلب المعطيات الزمنية والجغرافية والدينية؛ فأوروبا التي كانت ترزح تحت راية الإسلام وحكم العرب والمسلمين لما يقارب ستة قرون من الزمن، بدت بعد ذلك مكانًا خصبًا ومرتعًا للمسيحية، هذه الوضعية الجديدة رسمت صورة عالم ما بعد الأندلس، وهي التي نعيشها اليوم بكل تجلياتها، هذه الصورة المبنية في الأساس على الصراع من أجل البقاء.

وأول هذه الصراعات هي المتعلقة بما هو ديني، ثم فيما يتعلق بما هو جغرافي، لأن الجغرافية مهمة جدًا، لما تحوي من موارد طبيعية وبشرية وغيرها. فأصبح العالم كله يعاني من فوبيا الأندلس والتي سميت بـ”عقدة الأندلس”، ويعني بها الأوروبيون الحلم الذي يحمله المسلمون ويؤمنون به، حلم العودة إلى الفردوس المفقود، لذلك فإن الغرب رغم ضعف وشتات العرب إلا أنه نقل معركة الصراع إلى هذه الدول العربية الإسلامية، وما نراه من المشرق حتى المغرب ما هو إلا دليل واضح على المعركة الحقيقية التي يواجهها العرب. 

جعلت هذه العقدة العالم يتشكل وفق وجهين، وجه إسلامي عربي عبارة عن دول ضعيفة منهكة بالحروب والنزاعات، تعشش فيها الأمية وتكثر فيها البطالة والفقر والأمراض، ووجه غربي مسيحي متحضر، يعيش أزهى عصوره من حيث التقدم المادي على جميع الأصعدة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ورياضيًا، الأمر الذي يجعل موازين القوة تصب لمصلحة الغرب، وهذا التفوق فرض على العرب الخضوع لبنود غربية قاسية، تتجرع خيباتها ونتائجها الكارثية إلى اليوم، ولا نعلم حقيقة المستقبل المرتقب، فكل نكسة من نكسات دولنا العربية الإسلامية من المحيط إلى الخليج تشكلت بعد سقوط غرناطة الجدار الذي كان يقي المسلمين من المد الصليبي المسيحي، وكل حدث من الأحداث التي نعيشها اليوم تكشف عن عمق التدبير الغربي، فهي ليست وليدة اللحظة، ولكنها ولدت إبان محاكم التفتيش بالأندلس.

إن المتأمل في التاريخ لا يمكنه أن يغفل نقطة مهمة في حكاية ما نعيشه اليوم، التاريخ يعيد نفسه كشريط سينمائي مع اختلاف الزمان والمكان، لقد جاء الغزاة إلى الأرض العربية كما غزى المسلمون أرض أوروبا، وأصبحت خاضعة لهم كما خضعت الأندلس للمسلمين.

وكان غزو العرب دينيًا بهدف نشر الدين الإسلامي الحنيف، ومن الجانب الآخر شن الغرب حملاته الصليبية منذ سنوات، لكن ثمة اختلاف في بناء الحضارة ما بين الغزو العربي والغربي؛ الأخير طمس الهويات العربية الإسلامية، وحارب اللغة العربية والدين الإسلامي، أحرق المكتبات وعمل على تقسيم الدول العربية إلى دويلات متناحرة، بعدما استنزاف الموارد البشرية والطبيعية ومقدرات هذه البلدان، ثم قام بزراعة السرطان الصهيوني الإسرائيلي الخبيث على أرض العرب فلسطين، في منطقة حساسة، هي قلب العروبة وشريان الأمة لما تمثله من رمزية دينية، ولعل هذا الأمر لغاية واحدة، فحكم القدس على مر العصور يشير إلى حكم العالم، لكننا عندما نتحدث عن الغزو العربي الإسلامي لأوروبا فإن الأمور مختلفة تماما، فالعرب عملوا على نشر الفكر وبناء الجامعات والمعاهد، دون المساس بالمعتقدات الدينية والعرقية، دون تخريب أو تهجير، ولعل مدن إسبانيا والبرتغال ودول شرق أوروبا ما تزال إلى اليوم شاهدة على العصور الذهبية للمسلمين. 

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إظهار المقارنة بين الغزو العربي الإسلامي لأوروبا والغزو الغربي لدول الصومال وفلسطين والعراق، اليمن وليبيا، ثم سوريا ودول أخرى كثيرة، فالأمور واضحة والخراب والدمار واضح أيضًا على التحضر الذي وصل إليه الغرب، عندما قام المسلمون ببناء قرطبة وإشبيلية والزهراء وطليطلة وبلنسيا، لشبونة وسرقسطة، ثم الجامعات التي حوت الطلاب من مختلف دول العالم، وأوروبا على وجه التحديد، وأخص هنا جامعة مدريد التي عرفت على الصعيد العالمي كأفضل الجامعات في ذلك الوقت، بالإضافة إلى العلوم التي قدمها العرب للعالم في الطب والصيدلة والهندسة والطيران والفلاحة وغيرها، ومقابل كل هذا جاءت آلة الغرب لتدمر عواصم وبلدان وتطمس الهوية الإسلامية العربية من الوجود، وتستفرد هي بالعالم، فتم تدمير صنعاء وبغداد، ثم القاهرة ودمشق، فيما سمي مجازا بالخريف العربي.

لقد تولدت هذه العقدة الأندلسية منذ الفتح الإسلامي وظلت تسيطر على نفوس الغرب إلى ما بعد سقوط غرناطة وتشكلت تحديدًا بعد الهزيمة النكراء للجيوش الأوروبية أمام الجيش الإسلامي، وكانت انتكاسة حقيقية لأنها شكلت بداية التغلغل الإسلامي في أوروبا، في دول تدين بدين المسيحية، حيث سيعتبر رجال الدين أن الدين الإسلامي الذي بدأت أوروبا اعتناقه، يشكل خطرًا كبيرًا على الكنيسة والدين المسيحي بمختلف أطيافه وتلويناته، فظل رجال الدين يجهزون العدة والعتاد لطرد الغزو الإسلامي، حيث كانت التحالفات بين البلدان الأوروبية، وبدأت أفكار استعادة الأندلس إلى أوروبا أمرًا ممكنًا آمن به الجميع، وتجهزوا له بكل قوة وعزيمة.

اقرأ أيضًا: كانت في أوج قوتها.. أسرار صادمة حول سقوط الأندلس

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق