مدونات

الفارغون: أفواه تتكلم وعقول مصمتة

لعل من الكلمات الشائعة التي قد نستعملها في معاملاتنا اليومية مع الأشخاص من حولنا عبارة (كلام فارغ)، فنستخدم هذه العبارة لوصف الكلمات التي ينطق بها البعض؛ حيث نرى أن كلماتهم لا قيمة لها ولا معنى؛ والاهتمام بها أو ترديدها لن يكون مجدياً؛ بل على العكس، لن يكون ترديد هذه الكلمات إلا مضيعة للوقت والجهد، علاوة على الإساءة البالغة إلى عقلك الذي قد تكون تكلفت الكثير لتطويره وتنميته وتعزيز قدراته.

نرى حولنا الكثير من المتحدثين؛ الكثيرون ممن يتحدثون حتى ولو لم يطلب أحد منهم الحديث، نرى هؤلاء يتصدون لأي شيء ويتحدثون في كل شيء، يملأون الصفحات والمنابر وكل الوسائل المتاحة بأقوالهم التي يرون أنها الحق المطلق، ولا يتوقفون مطلقًا للاستماع إلى الآخرين، هذه الشخصيات السليطة التي لا تتوقف عن فرض كلامها بالقوة وبالضغط وبالترويج لما ليس له أساس من الصحة، وتشكل أساسًا وبيئة خصبة لانتشار وباء الكلام الفارغ.

الكثيرون منا مبتلون بهؤلاء؛ منهم من يكون عضواً في العائلة الكبيرة والصغيرة، ومنهم من يكون جاراً أو صديقًا أو زميلًا أو مديرًا أو أيًا كان موقعه أو دوره، الجميع يتكلم، يتكلم بكثرة مبالغ فيها؛ ينشر كلماته مراراً وتكراراً، ويتداول أموراً لا أساس لها من الصحة، يتحدثون في أشياء قد وقف المتخصصون كثيراً قبل أن يتكلموا بشأنها، يتحدثون في الدين في الطب في الهندسة في الفن في الإدارة في القيادة في المال والأعمال وفي جميع الأحوال.

والعجيب أن هؤلاء كلامهم رخيص وهو أسهل ما يملكونه؛ بمعنى أنهم لا يدركون أن كلماتهم تعبر عن شخصيتهم وما يفكرون فيه؛ فالإنسان العاقل هو الذي يزن كلماته قبل أن ينطق بها أو ينشرها بين الناس، والمرعب فيهم حينما يدعون العلم المطلق والمعرفة المطلقة؛ فتراهم يفتون في هذا وذاك، وهؤلاء هم أدعياء العلم الذين يقولون بغرض القول لا أكثر، والكارثة إن كانت لهم منابر ومستمعون أو مشاهدون أو قراء ومتابعون، هنا تكون المصيبة؛ حيث ينقل هؤلاء المستمعون أو المشاهدون وغيرهم هذه الكلمات والتحليلات والتوجيهات والتوصيات إلى الآخرين، وتنتقل هذه التفاهات من شخص إلى آخر، وتبدأ تحظى بالرواج وللأسف على حساب الحقيقة والحق.

ولتقدير خطورة هذا الأمر، نسلط الضوء على مثل هذه الشخصيات إن كانت تتولى مناصب قيادية في الدول أو الشركات، أو كانت صاحبة منبر إعلامي أو دعوي، هذه العناصر تنشر أفكاراً وأخباراً مغلوطة وتلوث الثقافة العامة، وللأسف تجد هذه الأبواق من يستمع إليها ويقرأ لها، وتزداد الكارثة إذا كثر هؤلاء البشر، فهم أشد وباء وأخطر من الأمراض البدنية.

وكثيراً ما نرى قياديين في شركات ومؤسسات عامة أو خاصة لا اعتبار لكلماتهم وقراراتهم؛ حيث أنها لا تبنى على العلم والمعرفة والفهم، وللأسف لا يقودون إلا بالإكراه ويقررون بالعنجهية مصائر الآخرين؛ هؤلاء يبثون السلبية والأفكار المغلوطة عن الإدارة الرشيدة التي ينبغي أن تبنى على العلم والمعرفة.

حقيقةً نحن في أمس الحاجة إلى أن ننقي عقولنا وآذاننا، ونقرر إلى من نسمع وعمن نأخذ، وإذا لم نفعل ذلك أو تراخينا فيه؛ لوجدنا عقولنا قد امتلأت بأفكار شاذة ورؤى منقوصة تؤثر على حياتنا العامة والخاصة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى