مدونات

الأمومة كما أراها!

قد يصفني البعض بأنني أمتلك قدرًا من الحكمة، وقد يأتي لي كل قريب وغريب متخذاً من رأيي خارطة طريق له، وقتها أكون حكيمة معه، أحاول الوصول لأبسط الحلول المتسلسلة والمنطقية، أستخدم عقلي وأتجنب عواطفي فأصل بقدرة رائعة إلى حلول عبقرية، أؤمن أن لكل شيئ في الحياة حل، فلا مجال عندي ولا اختيار سوي اجتياز الاختبار.

ثم أنا نفس المرأة، أقف كالطالب الذي يمسك ورقة امتحان وهو أمِّي، أقف مبهمه الفكر عندما يمس الاختبار أحد أبنائي.

نعم يتنحى عقلي، أسمعه يصرخ بي مشاوراً على الحل، ولكن قلبي يكتم صوته قائلاً هذا ابنك، شعور فطري غريب يجعل عدم القدرة على اتخاذ قرار حازم هي إحدى صفات الأم، مهما أمتلكت من مقومات العقل ورجاحة الفكر، يأتي قلبي ليغلبني، وتنزلف مني دموعي عندما أسمع صدام عقلي وقلبي الصامت داخلي، بركان يبدو دائماً خامد، ولكنه يشتعل داخلي بشدة و على الدوام.

في يومياتنا نحن الأمهات، قد نعاني كثيراً من مسؤلياتنا التي تحتاج منا جهدًا بدنيًا يفوق رجال الجيش في المعركه، ولكن ما نمر به من صراعٍ نفسي يصل حقاً إلى عنان السماء، لذا حق علينا أن تكون الجنة تحت أقدامنا عندما تسمع السماء أنيننا.

نعم أنا المرأة التي كرمها الرحمان، وجعلها سندًا في الحياة، أنا الزوجة والأم ناقصة العقل، إذا ما تفشّت مشاعري داخلي، واتخذت من كل ذرات كياني موطنًا لها، فلا مجال عندي وقتها للعقل والتعقل.

أقولها بكل ثباتٍ وثقة لأي شخص يسألني، اترك ابنك يقتحم الحياة، اتركه ليسافر ويتخبط بنفسه في الدنيا، ثم أقف عاجزة عن مجرد التفكير في نفس الكلمات إذا ما أسقطتها على ابني، تقف مشاعري تجاهه حائلًا بيني وبين الحقيقة، أحياناً أحاول الاستعانة بمن يقول لي نفس الكلمات التي قلتها لغيري، وأحياناً أخرى أحاول أن أقوي نفسي متجردةً من أمومتي لوقت قليل أفكر فيه بعقلانية.

لست دائماً أنجح مع نفسي، فقد لا أشعر بآلام جسدي في أقوى فترات التعب، ولكني أحترق وأشعر بكل ذرات كياني تنتفض إذا ما تألم أحد أبنائي، أي وجع هذا الذي نعيش به في دنيانا، نحيا مقهورين، نتحمل آلام تفوق الخيال، لا تكف عقولنا عن الضجيج، ننسج بخيالنا ما لا نقوي على تحمله، تأخذون قطعة من قلوبنا وتتركونا ننزف، ننزف حتى يشفى مريضكم، وننزف حتى يعود غائبكم، تعيشون الحياة رغداً، ولا تعلمون كم تتألم قلوب أبائكم وأمهاتكم، تبتزوننا عاطفياً بدءًا من ضحكتكم وأنتم ملائكة رضع، وحتى يأتي اليوم الذي تطلبون فيه منا ما يفوق قدرتنا نداً لند.

عذراً، سأكرر كلمات مستهلكة قد سمعناها جميعاً منذ زمن ولكنها الحقيقة، أنتم أيها الأبناء تملكون ما لم يملكه بشر، هذا الحب العميق والنادر والغير مشروط، ونجحنا جميعاً باختلاف شخصياتنا في إثارة أنفسنا من أجل ابتسامتكم، والتي تأخذونها كأمر مسلم به، وفي واقع الأمر العالم بكل ما فيه بين أيديكم، والمثير للعجب أكثر أنه ليس عليك أن تدفع كابن سوى مقابل واحد فقط، هو أن تكون بخير.

عندما تنجبون وتصبحون في وضع الأباء المساكين، وقتها فقط ستعلمون كم كنتم حمقى حينما لم تقدروا هذا الحب حق قدره.

ولإحقاق الحق، أنتم لنا أيضاً العالم بكل ما فيه، وابتسامتكم تروي ظمأ قلوبنا، نعلم أنكم لستم ملكًا لنا وهذا ما يرهقنا، نعم لنا الحق أن تقلق قلوبنا عليكم، ولكم كل الحق أن تحيوا بلا قلق، فما زال علينا نحن الآباء أن نقود جموح مشاعرنا وخوفنا عليكم، فأنتم تمثلون لنا الحياة.

ولكن في النهاية كلٌ منكم يمثل شخصًا بذاته له كل الخصوصية والحقوق في الصواب والخطأ، هي ضريبتنا التي ندفعها كآباء وأمهات، أن نبقى دائماَ في محاولة فك الاشتباك بين عقولنا وقلوبنا، أظنها حكم من أحكام القدر علينا، لا نريد منكم جزاءًا ولا شكورًا، فقط عودوا لنا سالمين.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق