سياسة وتاريخ

الغزو الأمريكي الغربي ورقي الحضارة العربية الإسلامية

عندما نتحدث عن الاستعمار الجديد الذي تقوده دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على دول العالم الثالث، الأفريقية منها والعربية الإسلامية، ونقارنه بالفتوحات الإسلامية -الغزو العربي- كما يسميه البعض، وما خلفت هذه الدول الإمبريالية من دمار وشتات تحت راية حقوق الإنسان بكل من العراق وسوريا واليمن، ليبيا والصومال، أفغانستان، ودول كثيرة حول العالم.

ثم نقارنها بالفتوحات الإسلامية التي قادتها الحضارة العربية العريقة، يتضح لنا الفرق الشاسع ما بين الفتح الإسلامي والغزو الإمبريالي، بين دول عربية متحضرة ولها حضارة ضاربة في التاريخ، وأخرى فهمت الحضارة بالشكل المغلوط وسيطرت بتقدمها المادي على دول ضعيفة لا حول لها ولا قوة، استخدمت كل ما وصلت إليه لتدميرها، بعيدًا عن المعنى الأخلاقي والإنساني للحضارة، الأمر الذي لم نسمع به على الإطلاق زمن الفتوحات الإسلامية العربية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور في مختلف الأصعدة بشهادة مؤرخي الغرب قبل العرب أنفسهم.

منذ بزوغ الإسلام بشبه الجزيرة العربية، وبداية نزول الوحي على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجت للوجود حضارة قوية ذات بناء رسين، قوامها ما جاء به الإسلام من عدل، لم يكن يفطن لها أحد، هذه الدويلة الصغيرة التي خرجت من رحم جاهلية متوحشة وعبادة الأصنام، لتقود البشرية نحو التحضر والإنسانية في أبهى صورها، استطاعت خلال فترة وجيزة أن تتحول إلى قوة ضاربة في التاريخ قادت العالم كله لقرون، بنت حضارة قوية، وتفوقت على حضارات أخرى كثيرة، كالفارسية والرومانية والإغريفية، وأضحت مناطق هذه الحضارات تحت قيادتها، لكن دون أدنى تغييرات للمعالم التي وجدتها بهذه المناطق، أو طمس للهوية والتاريخ.

لقد أتاحت لسكان هذه البلدان الحرية ونشرت العدل والمساواة، وحدت القبائل المتناحرة، وسارعت إلى بناء العمران من جامعات ومساجد مدن ومعالم تاريخية، بطرق حضارية وتخطيط مدبر كما خطط لذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أمر ببناء مجموعة كبيرة من المدن والثكنات العسكرية، فتم بناء الحصون والمعسكرات لتحصين المدن، والتخطيط لاستغلال الأراضي والمياه التي لم تكن تستغل من قبل من طرف أهلها بالشكل الصحيح، فأضحت المدن المتخامة للأنهار والأراضي الخصبة ملاذاً للناس من مختلف المناطق، على غرار “واسط” “وسمراء” والفوسطاط، وغيرهما من المدن الأخرى.

وبذلك أعجب الناس بعظمة العرب وعدالة الإسلام ودخلوا دين الله أفواجًا، و لم يفرض عليهم بالقوة ولا بالسيف كما يدعي البعض، بل ترك لأهل الفرس والروم وشمال أفريقيا والأندلس حرية التدين، وبرز ذلك بشكل كبير في الأندلس خلال الحكم الأموي هناك، ولم تكن هناك أي أطماع كما روج لذلك من طرف بعض العلمانيين الحاقدين عن الحضارة الإسلامية العربية.

لقد بنى المسلمون معالمًا تاريخية ما تزال إلى اليوم شاهدة على تفوقهم العلمي والعمراني والهندسي، بعدما أخمدوا نار الحروب الطاحنة التي كانت سائدة بين القبائل من قبل، فجل الدول المفتوحة كانت تعيش في صراعات وتطاحنات دائمة، ولم تعرف تقدماً حضارياً يذكر إلا مع دخول الإسلام لها، حيث إن الفاتحين ركزوا كثيرًا في فتوحاتهم على المجال العلمي الثقافي قبل كل شيء، بعدما تبين لهم الفرق الشاسع في العلم ما بين دول المشرق العربي والدول المفتوحة، فكان قادة الفتوحات يرسلون الطلاب من كل مكان إلى بلاد الرافدين والشام طلبًا للعلم والمعرفة.

بالإضافة إلى ذلك بنى الفاتحون العديد من دور العلم والزوايا التي كانت تلقن العلم والإسلام، فظهرت بذلك حركة أدبية وثقافية بدأت تضاهي ما وصل إليه الشرق العربي، فتعلم غير العرب اللغة العربية وأبدعوا في نطقها وإتقانها حتى انتشرت بينهم، وبرزت من بينهم أعلام كبيرة وشخصيات في التاريخ والأدب والعلوم، الفقه والطب ثم الفلك، وشكل أبناء هذه المناطق أيضًا القادة الفاتحين، حملوا راية الإسلام عالية، كـ “طارق بن زياد” القائد المغربي الأمازيغي الذي فتح أرض الأندلس بجيشه المكون من العرب والأمازيع.

إن الفتوحات الإسلامية التي وصلت من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الفرس والمغرب الأقصى، ثم إلى الدول الأوروبية، فالصين والهند، وبلاد الأناضول، كلها تركت آثارًا شامخة تدل على حضارة العرب وسعيهم في البناء والتعمير لا الخراب والدمار.

في إسبانيا بنى المسلمون حضارة الأندلس بعدما كانت الضفة الإيبيرية تعيش تناحرًا وصراعات لا تنتهي، ولم تكن إسبانيا معروفة من قبل في الخريطة العالمية، إلا كمكان يجتمع فيه القراصنة وتجار النخاسة، ومع دخول المسلمين لها جعلوها أجمل بلاد العالم قاطبة، معالم إشبيلية وقرطبة، الزهراء وغرناطة، بلنسيا والميريا وملقا، وغيرها، ما تزال شاهدة وإلى اليوم على ذلك، بجامع قرطبة وقصر الحمراء و نافورة الخرالدا، جنان الزهراء ورياحينها، قبب قرطبة ومجاريها، قصور إشبيلية وأقواسها، فسيفساء ملقا وحدائق المريا.

وفي هذا الصدد يقول المستشرق الإنجليزي المعروف ببحوثه عن الحضارات “ستانلي لين بول”، في كتابه “قصة العرب في إسبانيا”: “وكانت قرطبة في أيام الخلافة حضارة جديرة بالفخر والإعجاب، وإذا استثنينا بيزنطة فلن نجد مدينة في أوروبا كلها تساميها في جمال أبنيتها أو في حياتها الرخية المترفة، أو فيما تزخر فيه بأنواع العلوم والفنون والآداب”، ويقول أيضًا: “فقد كانت عقول أهل قرطبة كقصورها في الحسن والروعة، فإن علماؤها وأساتذتها جعلوا منها مركزًا للثقافة الأوروبية، فكان الطلبة يفرون إليها من جميع أنحاء أوروبا لتلقي العلم والمعرفة”.

ويضيف المؤرخ الفرنسي “غوستاف لوبون” في كتابه “حضارة العرب”: “إسبانيا لم تكن ذات حضارة تذكر قبل الفتح العربي الإسلامي لها، فصارت ذات حضارة ضاربة في الزمن أيام الحكم العربي الإسلامي، ثم هبطت في الدرج الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب المسلمين منها”.

هذا اعتراف صريح على ألسنة أبناء القارة العجوز على أن الحضارة العربية الإسلامية بنت حضارة الدول المفتوحة ولم تدمرها كما فعل الغزو الإمبريالي، الذي قاده الغرب على دول العالم لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والأمثلة كثيرة من الحاضر الذي نعيشه اليوم، دون النظر إلى الماضي.

ففي العراق وسوريا لنا أمثلة للبناء الذي أقامته الحضارة الغربية، بلاد الرافدين التي كانت تشكل حضارة قديمة جمعت العربية منها والآشورية والبابلية وغيرها، دمرتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدر حضارتها اليوم إلى العالم، حسب زعمهم وتأويلاتهم، وسيشهد التاريخ على ذلك بعد مرور السنون والأعوام، وستعقد مقارنة بين الحضارتين العربية والغربية، ويتبين للعالم كله مدى الرقي الذي وصل له العرب خلال الفتوحات الإسلامية، والخراب الذي أحدثته دول الغرب بعدما قادت العالم.

وعلى التاريخ أن يشهد على مواقف العرب المسلمين في فتوحاتهم عبر مختلف بقاع العالم، لم يبيدوا أديان الآخرين، ولم يهجر أهلها، ولم يغرقوهم في البحار والمحيطات، لم تكن هناك مجاعة ولا تقتيل رغم كل الظروف التي كانت تواجه قادة الفتوحات الإسلامية، لا كما نشاهد اليوم على القنوات من تهجير وتقتيل وغطرسة، إبادة جماعية وطمس للتاريخ والحضارة، هذا فيما يتعلق بالحاضر الذي نعيشه.

أما في الماضي فلنا في محاكم التفتيش في الأندلس مثالًا حيًا، حين أبيد المسلمون وأحرقوا وتعرضوا لكل أنواع التعذيب والتنكيل، دون أن نغفل ما فعله بيض الولايات المتحدة الأمريكية بحضارة الهنود الحمر، ثم ما فعلته الدول الأوروبية الإمبريالية كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، والإتحاد السوفييتي في دول أفريقيا وآسيا أيام الاستعمار، وما يفعله الكيان الصهيوني للفلسطينيين في حروب تتخذ مصطلحات الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي شعارًا لها.

هنا يظهر رقي الحضارة العربية الإسلامية في فتوحاتها عبر العالم، وهمجية الدول الأوروبية الإمبريالية التي تقود البشرية اليوم نحو الموت الحضاري، ويمكن أن نتلمس الفرق ما بين الفتح الإسلامي العربي والغزو الإمبريالي في الحضارة الأندلسية التي ما تزال إلى اليوم بإسبانيا، يزورها الملايين من البشر من مختلف دول المعمورة التي أقامها المسلمون بعدما وصلتها الفتوحات، والاحتلال الأمريكي الغربي للعراق ودول أخرى من العالم.

ولكم أن تكتشفوا هول الفرق، في الحقيقة لقد أنشأ العرب حضارة عريقة وخربتها الإمبريالية الأمريكية الغربية التي لا تقبل بها شعوب العالم كله، التي قبلت من قبل الدخول في الإسلام أفواجاً، دون الحاجة إلى الدبابة أو الصواريخ أو الطائرات، فالأمر الذي يختاره الإنسان بنفسه ويقتنع به هو الذي يبقى معه ويعيش عليه إلى الأبد، يستعد للتضحية من أجله، ولو كان العرب غزاة كما يقال لما انتشرت رسالة الإسلام كالنار في الهشيم في مناطق مختلفة من العالم تغزوها أمريكا فما نجحت في إخماد نارها وبناء حضارتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى