ثقافة و فنون

«الغرق»: حكايات القهر والموت في السودان

للمرة الثانية أقضي ساعات رائعة وبديعة (وحزينة أيضا) مستمتعا بقراءة رواية الكاتب السوداني حمّور زيادة، «الغرق.. حكايات القهر والونس» الصادرة عن دار العين للنشر هذا العام، وفي الحقيقة أنني على المستوى الشخصي كنت أنتظر تلك الرواية بشغف عن توقع بأنها لن تختلف، في جمالها وروعتها شكلا وأسلوبا ولغة، عن الرواية السابقة للكاتب، وهي رواية «شوق الدرويش» التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2014.

تبدأ أحداث الرواية بعثور أهالي قرية حجر نارتي على جثة («جنازة» كما يُسميها الراوي) فتاة طافية في نهر النيل، وكما هو معتاد في تلك الحالات فإنهم يحتفظون بها لأيام قبل دفنها، ويُرسلون خبرها للقرى السابقة عليهم التي تقع على مجرى النهر، علّ أحدها تتعرف عليها، وفي خلال تلك الأيام القليلة تكثُر التكهنات والتخمينات عن سبب الغرق، وفي الغالب يكون سببا أخلاقيا.

ولكن ما لم يعلمه أهل تلك القرية أنهم جميعا، بشكل ما، سيكونون السبب في ظهور جثة («جنازة») أخرى في القرية، أو القرى، التي تليهم على مجرى النهر، حيث تنتهي أحداث الرواية عند حافة النيل حيث تنتهي آثار أقدام «عبير»، الفتاة الصغيرة، التي تُقرر الانتحار بسبب حرمانها من وليدها، والذي لا يُعرف له أباً، نتيجة علاقاتها المتعددة مع بعض رجال القرية (والتي سلّمت نفسها لبعضهم عن رغبة وأمل أن يساعدها أحدهم في تحقيق حلمها باستكمال تعليمها لتصبح «دكتورة»، أو كنوع من الخلاص لحياة العبودية الخفية التي تعيشها) لكن في النهاية لم يجرؤ أحد منهم الاعتراف بخطأه أو خطيئته في استغلال تلك الصبية وجسدها وأحلامها لإشباع نزواتهم وشهواتهم، فتركوها وحيدة تواجه غضب وسخرية أهل القرية.

وهكذا ما بين جثتين (أو «جنازتين») تدور الأحداث والحكايات في تلك القرية، وكما في رواية شوق الدرويش التي دارت أحداثها زمن الثورة المهدية في أواخر القرن التاسع عشر، يختار حمّور زيادة حدثا تاريخيا كبيرا آخر ينسج على خلفيته واقع أبطال روايته وحياتهم وتشابك علاقاتهم، وهذه المرة هو انقلاب جعفر النميري العسكري عام 1969، الذي بدأ يساريا شيوعيا وانتهى يمينيا إسلاميا، قبل أن يطيح به انقلاب عسكري آخر عام 1985 بقيادة عمر حسن البشير. يقول الدكتور «ثابت العريس»، الأستاذ بجامعة دمشق، وسفير دولة الوحدة في يوغوسلافيا في الستينات: “عندما أريد أن البحث عن الحقائق الأولى في حياة أي بلد وعن القواعد السياسية القادرة على تفسير توجهاته، فإنني لا أعتمد على كتب التاريخ الموثقة، ولا المذكرات السياسية، وإنما أتوجه مباشرة إلى الأدب، أسمع من الشاعر والقصّاص والروائي أولاً، وبعد ذلك يجيء الدور على المؤرخ والسياسي والدبلوماسي».

يضيف د. ثابت (كما نقل عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه كلام في السياسة): “عندما يكتب الشاعر والقصّاص والروائي فإنه يغوص في الأعماق ويجوس هناك حول الكوامن التي يمكن أن نسميها «روح الأمم»، وينفذ إلى الخلايا التي تحتفظ وحدها بسِر الحياة في عمر وطول بقائها”، وهو ما ينطبق حرفيا على هذه الرواية (بالإضافة طبعا لعدد آخر من الأعمال الأدبية العظيمة)، خصوصا في ظل الوضع السياسي الحالي والمتأزم في السودان، وبالطبع لم يكن ذلك قصداً مقصوداً من الكاتب أن يتوافق ظهور روايته مع تصاعد الأحداث في بلده، فذلك حصل بالصدفة البحتة، وهكذا فإننا عبر أحداث وشخصيات تلك القرية، الصغيرة وشبه المنسية، نستطيع فهم التركيبة الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلد مترامي الأطراف ومتعدد الثقافات، كان في الماضي (وربما لا يزال) مُلتقى تصادم وتلاقي عرقيات مختلفة ومتباينة بحكم موقعه الجغرافي وتركبيته السكانية.

ففي «حجر نارتي» نلتقي مع الغجر والأفارقة والعرب، الذين يُشكلون قوام ونسيج المجتمع السوداني، وموقف كل جنس تجاه الآخر، حيث يتعالى العرب على الغجر (الذين لا أصل لهم) والأفارقة (الذين استعبدوهم لفترات طويلة قبل أن يتم إلغاء الرق، لكن الحدود الطبقية لازالت موجودة ومُعترف بها) والانتماءات السياسية للعائلات الكبيرة، التي قسّمت البلد رأسيا بين «المهديين» و« الأنصار»، وصراعهم الصامت على السلطة المحلية، مع أنه هناك طبقة العسكر «الغشيمة» فوقهم، تتحكم في الجميع، وهم بالطبيعة لا يرضيهم شيء سوى الخضوع الكامل لهم ولسلطاتهم بلا شرط ولا قيد، وهو الوضع الذي نستطيع منه فهم  دعوات الانفصال والحروب الأهلية التي عانى منها السودان ولا يزال، كما حدث في انفصال الجنوب بالأمس، أو ما سيحدث في دارفور وكردفان وغيرها في قادم الأيام، فهذا هو «الحل الوحيد» لبلد «تمّت صناعته على عجَل» كما ورد على لسان الراوي!

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق