مدونات

الغباء جريمة لا يعاقب عليها القانون !

يعاني الكثير منا من مواقف كان لها تأثير على حياته، وربما كانت سببًا في توقفها لبعض الوقت -وأحيانًا لسنوات عديدة- أو حتى لمدى الحياة! فكثيرًا من العظماء ماتوا كمدًا وقهرًا على مشاريعهم التي حاولوا أن يصلوا بها إلى البشرية لكن آليات العصر (و الغباء المستفحل وقتها) لم تمكنهم من تحقيق أحلامهم فظلت سراب حتى توافهم الله.

من تدويناتنا الممتعة: سلطة الأب في الأدب المغربي “الخبز الحافي نموذجا”

وكثيرا ما ذهب عقلي إلى التساؤل:

(هل الغباء صناعة أم هو مرض عضوي يصيب البعض وينجو منه البعض الآخر؟!)

الحقيقة أن الغباء بنسبة كبيرة يُعتبر صناعة لا مرضًا عضويًا؛ وهذا لا ينفي وجود أناس يعانون من الغباء لأسباب عضوية ترجع إلى الأمراض العقلية وهم مصنّفون طبيًا ويقدم لهم العلاج.

لكن حديثي عن الغباء في هذا المقال خارج عن إطار الطب والأمراض الطبية فأنا لست أهلا لذلك، فموضوعنا هو الغباء المكتسب بفعل البيئة والعوامل المحيطة بالنشأة وغيرها، فالغباء يُعرف بقلة الحيلة وضعف الفهم ومحدودية الذكاء وبينما يعرفه أينشتاين بأنه تكرر فعل الشيء بنفس الأدوات ونفس الأسلوب مع توقع نتائج مغايرة.

كيف يصنع الغباء

يصاب الناس بالغباء من أسباب عدة، ولا يمكن اقتصار الغباء على سبب بعينه بل هو مجموعة تراكمات من خلالها يتشكل الوعي الزائف ويقع الإنسان فيها أسيرًا لسُبات العقل؛ ولنفهم صناعة الغباء بشكلٍ أفضل، لا بدّ أن نعود للقصة الشهيرة حول القرود الخمسة؛ عندما قام بعض العلماء بوضع خمسة قرود داخل قفص مغلق، ثم علّق في أعلى السقف بعض الموز، ووضع سلم لهم لكي يصلوا إلى الموز، وكلما حاول أحد القرود الصعود إلى السلم رش القرود بالماء البارد وظل هذا يتكرر حتى قام القرود بمنع أي قرد منهم يحاول الصعود إلى الموز بل وصل إلى قيامهم بضرب من يحاول الاقتراب من السلم!
قام العلماء بإحراج قرد من هؤلاء الخمسة واستبداله بقرد آخر؛ وكان أول ما قام به القرد الجديد حال دخوله القفص هي محاولة الصعود إلى السلم وعندها قامت القرود الأربعة بضرب القرد الجديد محاولين منعه من السقوط فكان القرد يُضرب دون أن يعرف لماذا يتم منعه الصعود! واستمر هذا الحال مع كل قرد جديد يدخل القفص؛ حتى تغير الجيل الأول المعاصر لواقعة رش المياه؛ وعلى الرغم من أن الجيل الثاني لم يعاصر واقعة رش المياه إلا أن هذه القرود كانت تمنع أي محاولة لتسلق السلم.

وهكذا يصنع الغباء؛ فيصبح الناس عبيد للعادة معتمدين على تجارب السابقين متوقعين نفس النتائج حتى وأن تغيرت المعطيات والمسببات.

اقرأ أيضًا: الموهبة وحدها لا تكفي

لماذا يصنع الغباء

فمثل تلك المجتمعات كانت عبدة للماضي، ترفض العلم وتعتبر أي محاولة قائمة على العلم والمنطق ضربًا من ضروب الخرافات والأوهام، فالغباء يحتاج إلى بيئة مُجهلة أو جاهلة لكي ينضج ويترعرع؛ فالجهل هو المحرك الفعال للتخلف؛ ووجود التخلف هو سلاح هام لصناعة الخرافات ولإحكام السيطرة على الشعوب؛ فكانت السلطات الدينية قديمًا كانت ترى أن أي محاولة للتعلم وفك الطلاسم هي إعلان للكفر، وهو ما يفسر قيام المذابح في العصور القديمة فالتعلم هو بمثابة المعول الهادم لحائط القدسية لهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى