مدونات

العولمة

” العالم قرية صغيرة”، جملة يرددها ملايين البشر كلما أراد التطرق إلى الأنترنت أو إلى العولمة بكونها جعلت العالم كله يعمل بنفس الطريقة في أكبر و أضخم المجالات في العالم، و من أبرزها الإقتصاد، الذي أصبح يعتمد على البورصة و نظام صرف العملات و ما إلى ذلك، و هذا ليس إلا مجالا بين العديد من المجالات التي لم تعد تعرف الحدود و لم تعد تقدر المسافات، بل و أصبحت تعمل على أساس واحد و هو توحيد نمط عيش البشرية كلها.

تلك هي العولمة، من المفكرين من يراها الحل الأمثل للاستفادة من تجارب الآخرين في أمم أخرى و تسريع وثيرة التطورات العالمية، و هناك من يرى أن العولمة بالرغم من امتيازاتها التي جعلتها تفرض نفسها بقوة، إﻻ أنه ليس إلا وجها أولا، أما الوجه الثاني للعولمة فهو سلبي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، و ذلك لكون الدائرة التي توسعت فيها العولمة، إنما توسعت على حساب الثقافات التي لم تستطع بضعفها أن تفرض وجودها بقدر ما فرضته الثقافات الغربية، و بالتأثير الذي تركته في الأمم جمعاء. إنه إشكال يمكن طرحه عبر السؤال التالي: هل يمكن القول أن العولمة تشكل خطرا و تهديدا على هوية الدول التي لم تستطع أن تفرض نفسها بقوة اليوم؟

تنبأ المفكرون العرب أن هناك تخطيطات من لدن ثقافات أخرى من شأنها أن تسيطر على ثقافاتنا في إطار ما يسمى بالعولمة، و ما هو في الحقيقة إلا غزو ضحيته الثقافة التي لم تستطع مسايرة العالم، و ثقافتنا العربية خير مثال على ذلك، فبالرغم من كونها ثاني أكبر لغة من حيث عدد الناطقين بها، إﻻ أنها تظل فاقدة للكثير مما تتميز به من قبل، والواقع هو كون العولمة في هذه الحالة تتهدد الهوية الثقافية العربية، و تشكل خطرا على مستقبل ما تبقى منها، حيث نرى الأجيال الصاعدة يشرفون على مسايرة العالم بنمط و ثقافة الغرب، و بتفكير الغرب، و بعضهم أصبح يعيش بنمط معزول بشكل كلي عن نمطه الأصلي، ذلك عامل من بين العوامل التي تسهم و بشكل فعال في مساعدة الثقافات الأخرى على التوسع على حساب ثقافاتنا.

لكن، إذا اعتبرنا أن هذه الفكرة صحيحة تماما، فما هي إﻻ إصدار من جزء معين من المفكرين، و إن منهم من يرى خلاف و عكس ذلك، إذ هناك من يؤكد أن العولمة لا تتهدد الهوية، و إنما من المفروض علينا مسايرة العولمة في ديناميتها السريعة و المتطورة بشكل يفرض علينا أﻻ نبقى جامدين بادعاءنا أننا نتشبت بالثقافة، و إنما يجب أن نعرف بأن العولمة لا تتهدد الهوية و لا تشكل أي خطر عليها.

و الحقيقة أننا نجد أنفسنا بين هذين التصورين؛ أنه من الواجب علينا مسايرة العولمة مع العمل على توفير ظروف تطبيقية ملموسة من شأنها أن تحافظ على هوية مسايرة لعالم متطور و سريع و هوية قادرة على أن تفرض نفسها وسط هذه القرية التي أصبحت موحدة في شتى المجالات.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق