سياسة وتاريخ

العولمة وكورونا: التحدي الأكبر للولايات المتحدة ودول أوروبا

تنهار الدول العظمى والتحالفات الدولية دون إراقة قطرة دم، حيث إنّ الوباءَ المفاجئ لفيروس كورونا والذي ظهر في مدينة ووهان الصينية قبل شهور، واعتبره البعض مشكلة صينية، كان بمثابةِ جيشٍ عظيم كجيش التتار يفاجئ العالم بقوته وسرعة انتشاره، ويعتبره العالم الجيشُ الذي لا يقهر؛ فنجد أنّه ينحصر في مكانٍ ويزيد انتشاره في مكان آخر.

ويصر فيروس كورونا أنْ يتحدى العولمة، ومن الممكن أنْ يهدم بنيانها، حيث أنّ أمريكا وأوروبا خططوا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أن تكونَ الرأسمالية الأمريكية هي المسيطرة على العالم من خلال نظامٍ جديد سمي العولمة، فأصبحت أمريكا ودولارها يتحكمان في موارد العالم، حيث يقاس كل إنجاز تجاري أو صناعي بدولار أمريكا ورضاها.

فجاء فيروس كورونا ليبددَ أحلامَهم ويُعطي كلّ دولة من دول العالم الأولوية بالاهتمام بشؤونها الداخلية وأمنها القومي على التفكير في العلاقات الدولية والشؤون الخارجية، وهذا لأنّ كلّ دولة لها خصوصيتها في التعاملِ مع مواطنيها في ظل فيروس كورونا، والغريبُ في الأمرِ أنّ الكثيَر من الدول ولأول مرة تعتمد على نفسها أكثر من اعتمادها على أمريكا وأوروبا كما هو الحال في الكثير من الظروف والكوارث السابقة، وللعلم أنّ أمريكا تعاني من انتشار فيروس كورونا بشكلٍ خطير في مدنِها وولاياتِها، وبسبب استهتار قادتِها أصبحت الأولى في انتشار هذا الوباء.

ويقول ريتشارد هاس، رئيسُ المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية، أنّ هذا الوباء سيدفعُ بلدانًا عديدة إلى إيلاء اهتمامٍ أكبر بالشؤون الداخلية منه بالشؤون الخارجية لبضع سنواتٍ على الأقل، كما يعتقد جون إيكنبيري الأستاذ بجامعة برنستون أنّ تفشي الفيروس سيضخ الزخم لدى أطرافٍ مختلفة لمناقشة الاستراتيجية الغربية الكبرى، حتى أنّه سيدفعُ المناهضينَ للعولمة لإيجاد أدلة جديدة تثبت وجهات نظرهم بفشل العولمة والاعتماد على الذات.

وفي المقابل، أكدّ روبرت جيرفيس الأستاذ في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، أنّه عندما نلخص الوضع بعد انتهاء الوباء سنجدُ أنّ المشكلةَ الحقيقيةَ ستتمثلُ في الإخفاق في العمل بشكلٍ فوري على تشكيل تعاون دولي فعال بين الدول، ويرى إيغور شاتروف، رئيس لجنة خبراء صندوق التنمية الاستراتيجية الروسي، أنّه مع اتخاذ بعض الدول “لموقف مستقل وأحادي” بشأن قضية العولمة، فإنّ الافتقارَ إلى المساعدة المتبادلة والتعاون بين الدول في مواجهة الأزماتِ لن يصب في مصلحة أحد.

لقد واجهت بعضُ الدول مرارةَ التعامل الأحادي القطب في ظل العولمة والقيود التي تفرضها العولمة عليها، بينما كانت تعتمدُ أمريكا سياسةَ القطب الرأسمالي الواحد، كانت بنفس الوقت تضعف من قدرات الاتحاد الأوروبي؛ فتُملي عليه تصورها ووجهة نظرها، يقول المفكر الواقعي “جون ميرشايمر”: “إنّ الهيمنة الليبرالية الأمريكية مبنية على ثلاث ركائز، هي نظرية السّلام والديمقراطية والرأسمالية، وتبني بعضَ الدولِ الطريقة الأمريكية”.

لقد تمكنَ فيروس كورونا من إحباط الهيمنةَ الليبرالية الأمريكية بركائزها الثلاث، تقول جمهورية صربيا أنّه كان لديها ما يكفي من الدروسِ التحذيرية في كيفيةِ التعامل مع روسيا والصين، ولكنّه حينما تحصل إيطاليا على مساعدةٍ من الصين وروسيا وكوبا التي تبعد عنها ب 6 آلاف ميل، ولا يبادر جيرانها الأوروبيين، أو حليفتها الأمريكية بتلك المساعدة، فإنّ الاعتقادَ الذي سيسودَ هو أنّ تلك الدول المتضررة حتمًا ستعيد تقييم تحالفاتها واستراتيجيتها الجيوسياسية بعد الانتهاء من أزمةِ فيروس كورونا، وهذا يهدمُ الركائزَ الثلاثَ؛ السلام العالمي والديمقراطية والرأسمالية، حيث لم تستطع أمريكا أو أوروبا مواجهةَ الوباء والحفاظ على سلامة الإنسان في بلادها، ولم تستطع تقديمَ المعونات لأحد؛ بسبب الوضع الاقتصادي والصحي الذي تعيشه أمريكا وأوروبا.

قال الرئيس الصربي: ” ألكسندر فوتشيتش في بيان مفاجئ، لقد أدركتُ أنّ التضامنَ الدولي الكبير غير موجود، وأنّ التضامن الأوروبي غير موجود أيضًا،  فكانت تلك قصةً خياليةً على الورق، ولدينا آمالٌ كبيرةٌ في الصين التي يمكن أنْ تساعدنا في هذا الوضع الصعب”.

لقد ضربت هذه الأزمة قلبَ الحضارة الغربية فالاتحاد الأوروبي الذي كان مشروعًا يُنظر إليه على أنّه مثال للهيمنة الليبرالية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يعد يبدو واعدًا جدًا للمضي قدمًا خاصة بعد خروج بريطانيا منه، وصعود الحركات اليمينية المتطرفة في عدة دول أوروبية، وبمتابعة الطريقة التي تتعامل بها أوروبا مع وباء كورونا تزداد شكوك جدية حول مستقبل الاتحاد.

تبنى العالم العربي الهيمنة الأمريكية فاستولت على عقولهم وجعلت من جامعة الدول العربية أداةً لتمرير قراراتها، وجعلت من ثورات الربيع العربي نقمة على شعوبها، وتفشى الحزبيات والطائفية والانقسامات السياسية فتوجهت إلى شرق آسيا، لتجدَ تنينَ الصينِ العظيم حائل بينها وبين أحلامها، بالسيطرة والانفراد في العالم.

واليوم نجد أنّ أمريكا عاجزة عن احتواء الأزمة وتقديم المساعدة الطبية والصحية للدول الأوروبية المصابة بفيروس كورونا، ونجدُ أنّ الاتحاد الأوروبي يفشل في أخذ زمام المبادرة في الحد من انتشار جيش فيروس كورونا العظيم أو تقديم أي مساعدة للدول المصابة، وفي نفس الوقت تقفُ الصينُ ودولُ شرق آسيا من سنغافورا إلى تايلند ثم كوريا؛ لتقديم الإمداد من الكوادر الطبية والخبراء في علمِ الأوبئة والمعدات اللازمة؛ للحد من انتشار الوباء إلى الكثير من دولِ العالم، وخاصة إلى دول الاتحاد الأوروبي  إيطاليا وإسبانيا وغيرها.

ومع تأكيدنا المطلق أنّه لا يوجد منتصر في هذه المعركة لأنّها معركة كونية، إلّا أنّنا ننظرُ إلى الدول التي اجتهدت ونجحت من خلال التخطيط الإستراتيجي، أو من خلال نجاح التدابير اللازمة  والإجراءات الصارمة بعيدًا عن المصالحِ الشخصية،  وإعطاء الأولويةَ للحفاظِ على حياةِ الإنسان قبلَ التفكير الاقتصادي والتجاري والصناعي هي التي ستكتبُ التاريخَ للمرحلة القادمة، وستفوزُ بتحالفاتِ العالم الجديد، والكثير من الدول التي عجزت عن مقاومة الجائحة بسبب استهتارها وعدم اهتمامِها بمصلحةِ الإنسان في بلادها، وكان همَها التقدم الاقتصادي والتجاري والصناعي على حساب الإنسان، ستخسر معركتها مع فيروس كورونا وبعد فيروس كورونا وستفقدُ مصداقيتها وتحالفاتها.

توقع جون آلن، مدير معهد بروكينغز، أنّ المنتصرين في المعركة ضدّ فيروس كورونا القاتل هم من سيتسنى لهم كتابة التاريخ كما هي الحال عبر تاريخ البشرية، وقال إنّ الدولَ كافةً باتت تعاني من الإجهاد المجتمعي الناجم عن انتشار الفيروس بطرقٍ جديدة وقوية، وأنّ الدولَ التي تنجو بفضل نظمها السياسية والاقتصادية والصحية الفريدة، ستفوزُ على الدول التي خرجت بنتائجَ مختلفة ومدمرة في معركتها ضد الفيروس القاتل، المصدر: فورين بوليسي.

والخلاصةُ لم يعد لمن ينادي بالعولمة من مجالٍ للدفاع عنها بعد أنْ فشلت الدول التي قامت ببنائها من الوقوفَ أمامَ انتشار فيروس كورونا، كما فشلَ الاتحاد الأةروبي من مساعدةِ أعضائه وحلفائِه  خلالَ أزمةِ الجائحة الخطيرة، ولكنّنا سنجدُ هناك صورًا أخرى لتحالفاتً جديدة في العالم بعد سنواتٍ من انتهاء تفشي فيروس كورونا، وكأن بفيروس كورونا يقول “وداعًا للعولمة والغطرسة والقطب الواحد”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق