سياسة وتاريخ

العولمة وتنافر الأمم وتأثير ذلك على النظام الدولي والانتخابات الوطنية

القادة الشعبويون الناقمون على العولمة وغير المكثرتين بآلية النظام الدولي والانتخابات قد بدأوا في الوصول للحكم عن طريق ألية الانتخابات نفسها وفي عصر العولمة نفسه، وهذه تعتبر من المفارقات. الشعوب بدأت تنفر من بعضها بعد أن تعارفت أكثر عن طريق أدوات العولمة التي كان من المفترض بها أن تقرب لا أن تبعد، وفضلت هذه الشعوب النافرة إنتخاب القادة الشعبويون دعاة التقوقع والإنغلاق والمنفتحون على المناوشة في سياساتهم الخارجية. الحروب وما يرتبط بها من المجاعة والأمراض والبؤس أصبحت على الأبواب وقد تصطدم بالجيل القادم إن نجح هذا الجيل في تخطيها، وهو الجيل الذي نحسده نحن ظناً منا أنهم سوف يعيشون حياة أفضل من حياتنا، وكل هذا يشكل تحدي حقيقي أما الطرح الدولي للفكر السياسي الليبرالي.

لقد راهن المفكرون والقادة السياسيون من ذوي التوجهات الفكرية الليبرالية على العولمة كظاهرة تؤدي إلى تزايد تعارف الشعوب المختلفة مما يساهم في تقبل الناس الإختلاف الذي يسود بينهم، ويتعودوا على الآخرين المختلفون عنهم في الثقافة، وذلك لتعزيز فرص التسامح بين الشعوب من أعراق ومذاهب وثقافات مختلفة، حيث تسود التجارة المشتركة العابرة للحدود، ويعبر الطيران من سماء مختلف البلدان، ويشارك الرياضيون من بقاع مختلفة في الدوريات الرياضية المحلية، وتنتشر الوظائف التي تجمع الأشخاص من جنسيات وخلفيات مختلفة في مؤسسة واحدة، وتفتح الجامعات التي تستقبل الطلاب الدوليون من ثقافات مختلفة في حرم جماعي واحد يتبادلون فيه النقاش ليكتشفوا إنسانيتهم الواحدة وعقولهم المتشابة مما يعزز التفاهم المشترك بينهم، ولينطلقوا بعدها قادة للتعاون العابر للحدود، وسفراء للتفاوض والتفاهم والسلام، ومع هذا فقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
قد يبدو للملاحظ أنه كلما زادت الشعوب في التعرف على بعضها كلما زاد تباعدها وتقوقعها حول نفسها ونفورها من الأخر المختلف عنها. إنتشرت الكراهية بصورة أكبر في عصر العولمة، وإنتشر الصدام الثقافي، وزادت الحروب العرقية والطائفية، وأصبح التشدد في التأشيرات والتمييز في المعاملات في المطارات والمنافذ من منطلق النظام الدولي والعرق والموطن سياسات يفتخر بها القادة وتصفق لها الشعوب، وزاد نفور الناس من بعضهم البعض مع إزدياد معرفتهم لبعضهم البعض، وحتى مواقع التواصل الإجتماعي التي كان من المتوقع أن تدفع الشعوب والقبائل ليتعارفوا رغم تباعد المسافات وإختلاف الثقافات أصبحت عبارة عن منابر للدعوات التقوقع الثقافي، ونشر ثقافة هم على خطأ ونحن على صواب فأحذروهم ولنحذرهم. كل هذا يقودنا إلى التساؤل الذي مفاذه إذا ما كانت العولمة وتداعياتها لتؤدي إلى إنهيار السلام الهش في العالم وإندلاع الحروب كما يتنبأ مفكرون المدرسة الواقعية، أو إذا ما كانت لتؤدي إلى تحقيق الفهم والتفاهم بين الشعوب، وبالتالي تصل البشرية للعيش المشترك والسلام المنشود كما تنبأ مفكرون المدرسة الليبرالية. إجابة هذا التساؤل مرهونة بطبيعة القادة الذين يصلون للحكم في البلدان المؤثرة إذا ما كانوا من دعاة السلام والتعاون ومد الجسور وتسهيل العبور، أو من دعاة التقوقع والإنغلاق والتفاخر بما يملكون على حساب من لا يملكون.
لقد أوجد النظام الدولي الذي يحكم بالقوانين والترتيبات الليبرالية ظاهرة الإنتخابات بمثابة سلاح يحمي بها نفسه ويضمن خلالها إستمراريته، ولكن لم يكن من المتوقع أن تستخدم الإنتخابات من قبل الشعوب لجلب قادة أنفسهم لا يكثرتون بالنظام والفكر الليبرالي نفسه. تم دعم الإنتخابات دولياً لعدة أسباب ولعل أبرزها هو الحفاظ على النظام الليبرالي العالمي عن طريق حفظ مكوناته الرئيسية وهي المؤسسات الدولية والدول الديمقراطية، ولكن التغيير الذي طرأ على مزاج الشعوب في العقد الأخير من الزمن وميولهم للإنتخاب قادة لا يكثرتون للإنتخابات نفسها ولا لثقافة الديمقراطية بشكل عام قلل من فرص نجاح الطرح التعاوني والسلمي والديمقراطي الذي يتبناه الفكر السياسي الليبرالي. أصبحنا نلاحظ في بعض من بلدان العالم كيف بدأت الشعوب عبر الإنتخابات تفضل القادة الشعبويون الذين تتباين أيديولوجياتهم بين التحييز القومي، والعرقي، والطائفي، ولدى بعضهم ميول توسعية وإقصائية لا تتماشى مع روح الديمقراطية حتى وإن كانت الإنتخابات هي الألية نفسها التي جلبتهم للسلطة. هؤلاء القادة لا يترددون أيضًا في مسألة تغيير الدساتير كل فترة، وتجدهم منفتحون على المناوشات في السياسة الخارجية بكل حماس، ومع هذا تؤيدهم في ذلك شعوبهم التي جلبتهم للسلطة عن طريق الإنتخابات في عصر العولمة، وهو ما يطرح تساؤلات على مسألة أسباب تغير مزاج الشعوب الذي بأت جلياً في إنتخابهم لقادة جدليون ودعاة للتقوقع الوطني ومناوشة الغير واللعب على عواطف الناس لكسب التأييد، وذلك بذكر أمجاد الماضي وميراث الأجداد أحيانًا، وإخافة الشعوب من الغير في أحيانًا أخرى عبر خطابات شعبوية رنانة، ولكنها غير مفيدة لمسألة تعزيز السلام العالمي والسلم المجتمعي، وبعيدة عن تطلعات الشعوب في التنمية والتقدم والإزدهار.
في أيامنا المتأزمة هذه يحسد الكبارالصغار على المستقبل المستقر والمشرق الذي سوف يصادفهم قريباً وقد يقولون للأنفسهم يا حسن حظهم وسعد أيامهم، ومع هذا قد لا تسعد الأيام القادمة الأطفال والأحفاذ في حال تصادف زمان شبابهم مع زمان الركض القومي للقادة الدول، والتسابق نحو المجد العرقي والتوسع الخارجي، ومحاولة الدول المختلفة الصعود في سلم إمانويل والرستين لهرم القوى والنفوذ عن طريق أكل الدول الأخرى والتسمن بها للمضي للأمام، وهو ما يعرض العالم لحروب قادمة وما يترتب عنها من انتشار للمجاعة والأمراض والبؤس، وهكذا قد تكون الانتخابات وهي لب النظام الدولي والفكر السياسي الليبرالي مسؤولة عن تمكين من يركز على الإختلاف والخلاف، وتكون العولمة مسؤولة على نفور وكره الشعوب لبعضها نتيجة ذلك الإختلاف والخلاف الذي يركز عليه قادتهم الشعبويون في خطاباتهم، وعندها يكون العالم قد أصبح أقرب للأطرابات والحروب من أي وقت مضى، ولينطلق بعدها المشككون في التسأل عن مدى تأثير الديمقراطية على السلام بعد أن شككوا سابقاً في قدرتها على ضمان التنمية والتقدم، وهو ما يعد تحدي حقيقي ثنائي الواجهة بالنسبة للفكر السياسي الليبرالي الذي يحكم العالم نسبياً منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويحكم العالم مطلقاً منذ ما بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا، ومعيد سابق بقسم العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة طرابلس ليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق