مال وأعمال

متى تعود الحمائية التجارية إلى العلاقات الاقتصادية الدولية؟

إن توابع الأزمة الصحية العالمية ستكون ككرة الثلج التي تتدحرج من على قمة جبل، ويبدو أن المتفائلين بحدوث ركود في الربع الأول من العام، والتعافي التدريجي للاقتصاد العالمي وعودة الحمائية التجارية بدأوا بالعدول عن تفاؤلهم، وأخذ شبح الكساد يلوح بالأفق، وخاصة بعد الأرقام المخيفة التي تأتي تباعة عن حجم الأضرار التي أصابت الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة القصيرة نسبياً، بالنسبة للتوقعات السوداوية بتاريخ انتهاء الوباء.

فدعنا عزيزي القارئ نأخذ الولايات المتحدة كنموذج لندرس تأثره بالأزمة على الصعيد الاقتصادي، فمعدل البطالة في أمريكا يقول بيتر هوبر رئيس الأبحاث الاقتصادية العالمية في البنك الألماني لقناة بلومبيرغ: “نرى أن معدلات البطالة في الولايات المتحدة وأوروبا تزداد تدريجياً لتتجاوز 10%، وطبعاً هذا رقم مخيف يعني قرابة 15 مليون عاطل عن العمل في أمريكا وحدها.

أضف إلى ذلك الآثار المدمرة للحرب النفطية الروسية السعودية بعد فشل قمة الأوبك (دول الأوبك + روسيا)، وما نتج عنها من زيادة الإنتاج بدل الاتفاق على التخفيض من الإنتاج ليواكب الانكماش في الطلب، وهذا ما أطاح بالأسعار إلى مستوى لم تشهده الأسواق منذ 50 عام، ولا يخفى على أحد ما تأثير هذه الأسعار على المنتجين الأمريكيين، وخاصة قطاع النفط الصخري الذي يبلغ نقطة تعادل السعر -الجدوى الاقتصادية للإنتاج- فيه قرابة 45 دولار للبرميل.

أضف إلى ذلك مشكلة الدين العام الذي تجاوز 107%، فهذا فيما يخص أمريكا، وقس على ذلك بقية اقتصاديات العالم التي ربطت العولمة اقتصاداتها بالاقتصاد الأمريكي، ما جعل منها كأحجار الدومينو، ما إن تسقط إحداها حتى تتبعها سقوطاً باقي الاقتصاديات.

ولكن القضية المركزية في الفترة المقبلة هي قضية العقيدة الاقتصادية، فما بعد كورونا لن يكون كما قبلها، فلن تفلت الليبرالية من براثن العدوى فهي مهددة بالموت بفيروس كورونا، فتلك الدول التي اعتادت على الانفتاح وعلى تقسيم العمل وعلى التجارة الحرة، وعقيدة “دعه يعمل دعه يمر” لن تبقى بتلك الجاذبية، حتى لو نزلنا بالتحليل إلى المستوى الفردي، سنجد أن الشعور الإنساني الذي تصاعد في الآونة الاخيرة بأن الإنسان أصبح مواطنًا عالميًا سينهار، وهنا لا بد من إدراك الأفراد والدول على السواء.

إن الحمائية التجارية وبناء اقتصاد مستقل، والوصول بالاقتصاد إلى أعلى درجات الاكتفاء على الصعيد الوطني، هو الملاذ الحقيقي للنجاة من الكوارث والأزمات التي سوف تعصف بالاقتصاد في المستقبل، أضف إلى ذلك أن روح القومية سوف تتصاعد، وسوف يعود للواجهة التنظير الواقعي للعلاقات الدولية، ولن تستغني الدول القومية عن الصلاحيات الاستثنائية التي منحتها إياها الأزمة، فنحن مقبلين على مركزية الدولة وتسلطها وتغولها وعودتها لإدارة الاقتصاديات بطرق مركزية.

وبوادر النقوص عن الانفتاح بدأت جلية، وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي بظاهرة حرق أعلام الاتحاد الأوروبي، ونأمل أن لا نعود بعد كورونا لنشهد مظاهرات تطالب بالحرية السياسية والاقتصادية، وكأن التاريخ يعيدنا إلى الوراء مئات السنين بطريقة هزلية، ومن المؤسف ما ستصل إليه بعض الدول، وخاصة تلك التي تعتمد في قوت يومها على الاستيراد، وخاصة إذا طالت فترة تعطيل الإنتاج العالمي، فستعود إلى الأذهان صور الحاجة والمجاعات، ولكننا نرجو من الله أن يلوح في الأفق انفراجة للأزمة تبعدنا عن ما هو أسوأ.

قد يهمك أيضًا : التأثير الاقتصادي لفيروس كورونا على الدول النامية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Bahaa Hariri

اجازة في العلوم السياسية دبلوم في تخطيط الدولة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية دبلوم في الادارة المحلية ماجستير في العلاقات الاقتصادية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق