مدونات

العودة إلى الماضي لا تعني الإقامة فيه

ليس معيبا أن يكون الماضي جزءا من حياتناو لاضير إن كان الماضي أساسا وقاعدة للانطلاق ومن لا ماضي له لا حاضر له ولامستقبل له، ولكن التّراجع المخيف والكبوة أن يكون الماضي حياتنا كلها أي أن نعيش الماضي ونكتفي.. ونقف عنده بتفاصيل وقوانين وعلاقات واتفاق وجدل وخصومات وتكتلات وثقافات وقراءات ووو الخ..

نريد أن نعيش حاضرنا بقوانين القرون الماضية، ونريد أن نفسّر أحداث الماضي، بقوانين الحاضر، ونريد أن يكون الطّرف الآخر مجرم بأي شكل من الأشكال، ونريد أن ننتصر مهما كان الثمن، ويا ليت الصّراعات التي سنخوضها بخلفياتنا التّاريخية ستحرّر الأوطان أو ستبني لنا مجداً تفتخر به الأجيال في المستقبل، أو ستعطينا قوّة نستطيع من خلالها أن نبسط نفوذنا على العالم أو نكون في مصافّ الدّول الكبرى على أقلّ تقدير.

جدل متواصل من يدخل فيه لا يخرج منه أبداً باحثون واكاديميون لا يقدمون لنا دراسات منهجية بل دراسات ممولة في توجه معين إما مع أو ضد، وحوارات جانبية كثيرة تدور، وأعمال فنية ومسلسلات كل هذا يحدث لكي يزرعونا في الماضي، ولكي نبتعد عما نعانيه من مشاكل كثيرة في الواقع، فلو استبدلنا الجدل بين الشيعة والسنة عن أحداث كربلاء مثلاً بمناقشة مشكلة الفقر في الوطن العربي لوجدنا لتلك المشكلة آلاف الحلول، ولو أننا حولنا المحاضرات التي تنتقد أو تؤيد الدولة العثمانية لدراسات تبحث في سبب تخلف البحث العلمي في دولنا الإسلامية، لتمكنا من بناء جامعات ومدارس على اعلى مستوى.

لكننا مصممون أن نبقى ضمن سجلاّت الزّمن الماضي، وفي فهارسه وسطوره الباهتة، نبحث عن الأخطاء أو نبحث عن الأمجاد، ولا ننظر لواقعنا المتدهور ولا نبحث عن الحلول المناسبة لمشاكلنا التي نعيشها ولا نواجه أعداءنا، ولا نفكر في تنمية البشر ولا الحجر، سخرنا كل وسائل التطور لتساعدنا في التنقيب في سجلات الزمن الماضي في حين أن اغلب دول العالم استخدمت نفس الوسائل لترتقي وتصنع لها مجداً تفتخر به، بينما نحن صنعنا لأنفسنا مشاكل جديدة تضاف لمشاكلنا الحالية.

لا أدري متى سينتهي هذا الجدل؟
ومتى سنفيق من سكرة الماضي التي نعيشها؟

نريد أن نفسر كل شيء حصل في التاريخ، ونريد أن نجد له حلول، ونريد أن ننتصر بأثر رجعي على أعدائنا، لكننا في الواقع نخسر حاضرنا ولا نستغل الفرص التي تتاح لنا لكي نتعلّم وننتج ونصنع ونزرع ونتطور.

المؤسف أن الجدل الذي يحدث لا يستخدمه الأشخاص فقط في وسائل التّواصل الاجتماعي بل تستخدمه بعض الدّول لتبرّر وجودها وتقنع شعوبها أننا اعمق من غيرنا ولنا حضارة اقدم ونملك ثروة أكبر ونحن أقوى ونحن أرقى ونحن ونحن ونحن.. إلخ.

نفتخر بالسّراب، ونبني لا لكي نصنع تاريخاً بل لكي نتفاخر على بعضنا البعض، ويعاير بعضنا بعضاً، وفي العشر السّنوات الأخيرة أصبحنا نقتل بعضنا بعضاً للأسف.

علينا أن نعود للواقع ونطرح مشاكلنا على الطاولة، على الحكومات أن تنظر للتاريخ على أنّه مصدر للعبرة، ومصدر للمعلومات لا أكثر، وتنظر للواقع بشكل جاد تناقش مشاكله وتعالجها وتصنع تاريخ جديد يجعلنا على أقلّ تقدير نكسب احترام العالم، وعلى الشّعوب أن تكون أكثر وعياً ولا تنساق خلف كلّ فكرة، وتتبع كل حوار او جدل يثور ولا يولد سوى الدخان.

على الشعوب أن تعرف أنّ الماضي انتهى وليس بمقدورنا التاثير بما مضى وأنّ ما يمكننا التأثير فيه هو الواقع، وما يمكنُ أن تُبني فيه هو المستقبل.

ليكون الماضي استلهام لمواقف عظيمة صنعت أمجادا خالدة أو عزيمة أقامت حضارات لتذليل صعوبات في واقعنا. نريدُ اللّحاق بركب من سبقونا في العلم والتّحديث التكنولوجي ونهضة التحديث التقني والمعرفي لا أن نتغنى بماضينا وننسى حاضرناومستقبلنا!؟
..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

علي سيف الرعيني

كاتب ومؤلف وشاعر
زر الذهاب إلى الأعلى