سياسة وتاريخ

العودة إلى الجذور كطاقة متجددة..

على مدى عقود من الزمن كانت العودة إلى الجذور هي الحل الجذري بالنسبة للعديد من الأحزاب السياسية أو الجماعات الدينية في الشرق الأوسط أو حتى على مستوى العالم وهي حلول سريعة غالبا ما تكون سريعة الفشل، تعتمد هذه الحلول على الفورة الشعبوية التي هي أشبه بفورة المراهقين المنتظرين أي إشارة من المحيط ليستغلوها كإثبات لوجودهم و تكوينا لهويتهم.

حيث إن معظم هذه الدعوات تتمحور حول قصة مختلقة أو مبهّرة تتمثل في عدو مشترك للشعب أو للدين وقد يكون العدو داخليا أم خارجيا وربما الإثنان في آن معا، عدو ذو صفات منافية للطبيعة البشرية النقيّة التي يتمتع بها الشعب او الدين المعتنق لهذه العودة، عدو مجرد من المشاعر، يهتم هذا العدو بكيد المكائد و المؤامرات لبث التفرقة بين صفوف الشعب المختار منذ بداية الزمان فهو لا حياة خاصة به، حيث كرس كل جهوده لتدمير وتكدير حياة هذا الشعب المختار.

وقد يكون أحد أشكال هذا التكدير للمعيشة ثقافيا، فأي ظاهرة إجتماعية جديدة او قديمة غير مرغوب بها تظهر من جديد، ترمى على هذا العدو الذي هو الشيطان التاريخي الملاحق لهذه الأمة. والحل يكمن في العودة الى حالة سابقة تاريخيا، العودة إلى فترة كان الشعب المختار حينها في فترة ذهبية، حيث كان هو المضطهِد للآخر الذي لم يسلم حتى حينها من الشيطنة، فهذه الفترة الذهبية كانت ملاحقة من قبل هذا العدو الذي هو أشبه بالظل يلاحق صاحبه أينما حل.

لا يهم من هو هذا العدو، هذا الآخر الغريب عنا، وليس من الضروري أن يكون العدو هو نفسه على مر العصور، بل يمكن أن يتغير بمرور الزمن وتبدل الاحوال الاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية، فيكفي أن يكون مختلفا عنا حتى نلبسه ملابس لا وعينا مكتفين بذلك من اي مجهود حقيقي للإصلاح الداخلي، لا داعي لأي نقد ذاتي او تصحيح مسار او محاكمة فساد، متلذذين بذلك بالهروب من مشقة النظر بالمرآة.

ولا يسعني سوا الاعتقاد بأن هذا العدو هو اللاوعي للشعب المختار بالمفهوم الفرويدي، حيث يمثل هذا العدو كافة الصراعات والعنف والعنصرية الموجودة داخل العالم الرمزي لمعتقدات هذا الشعب سواء الدينية او الاجتماعية، هو كل التناقضات المكبوتة متجسدة في كيان آخر خارج حدود المجتمع ولكنه قريب بما يكفي لإستخدامه كشماعة نعلق عليها كافة مخاوفنا.

ولكن أليس لهذا العدو الشيطاني اللاإنساني المجرد من المشاعر البشرية، حل جذري أيضا؟

فمن وجهة نظر هذا العدو، هو أيضا لديه من ينادي بين صفوفه من الأحزاب السياسية و الجماعات الدينية الى العودة للجذور كحل جذري وسريع لكافة مشاكل هذا الشعب، عودة الى فترة تاريخية سابقة ذهبية.

هو أيضا لديه قصته المبهّرة الجاهزة (والتي لا تقل إقناعا عن القصص الأخرى) عن عدو خارجي او داخلي يكيد المكائد و يستخدم كتفسير لكافة الظواهر الإقتصادية والاجتماعية الغير مرغوب بها، كالإنسان القديم العاجز عن فهم الظواهر الطبيعية فينسبها إلى إله ما، ولكن، ولسخرية القدر، المطالبين بهذه العودة إلى الجذور يتلقون المساعدة من حلفائهم على الطرف الآخر، المطالبين بالعودة الى الجذور من العدو! أليس هذا هو الحال؟

يوجد لدينا مجموعتين من “الرجعيين” او “الجذريين” كل منهم في خندق مواجه للآخر، يتبادلون الاتهامات والإهانات واحيانا القذائف والرصاص، وقد يبدو الأمر للمتابع وكأن الطرفين في حرب حقيقية وجودية بين طرفين يسعى أحدهم لإبادة الآخر ولكن يخفى عن المتابع الغير متخندق وأحيانا المتخندق أن لا وجود لهذا دون ذاك، فهم مرتبطين ارتباطا وثيقا بمجموعة قصص أشبه بميثولوجيا مشتركة فيما بينهم بدرجة أكبر من القصص المشتركة مع باقي أبناء شعبهم من غير الرجعيين، انهم أشبه بأشجار تتشارك جذورها،  ربما يمكنهم العيش مع بعضهم في وطن مشترك!

فزوال الأول يعني زوال الثاني لا محال، حتى يحين موعد الإنحدار الجديد لتُخلق من رحم هذا الإنحدار البذور لصراع رجعي جديد.

ومن البديهي أيضا أن نستنتج أن حلفاء بقية مكونات الشعب، تقع على الجهة الأخرى أيضا! على جانب الوعي، وربما المرحلة المقبلة قد تحتوي على نقلة نوعية حيث لا تقسّم الشعوب بناء على قصص العودة الى الجذور، بل على نبذ الجذور و الإنغماس في المصير المشترك في مواجهة الأزمات الإقتصادية والبيئية والإرهابية.

نحن بحاجة إلى هوية كونية موحدة مبنية على المصالح المشتركة العابرة للحدود العرقية و الدينية، لا ينبغي علينا أن نحب بعضنا كقوة توحيد جامعة، بل يكفي أن نحترق بنار الآخر (او بنار الطبيعة) بما فيه الكفاية، ان نكتفي بالنظر الى قيم الاخر الذي هو بيننا يأكل ويشرب معنا، الذي يشاطرنا حياتنا وينتج فننا وفلسفتنا و يصلي بنا، وان نسأل أنفسنا، هل هذا كل ما لدينا؟

ربما يمكننا الاستعانة بخبرة الرجعيين في مجال الطاقة المتجددة فهم يتغذون على الطاقة المنتجة الموجهة الى إبادتهم من الطرف الآخر، الأمر أشبه بمقبس كهرباء موصول بنفسه ولكنه على عكس فيديوهات اليوتيوب التي تشرح كيفية عمله، فإنه، مع الأسف، يعمل!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى